يوم تحرير الحكم من المركز الحصري

تتهيأ اليمن لاستقبال ربيعها الخاص الذي انتظرته عاماً كاملاً فيما ينتظر دكتاتور متعب داخل فندق بمدينة نيويورك الأميركية للدخول في خريفه الأخير.


الساعات تمضي بقلق لعين داخل فندق ريتز كارليتون حيث ينزل الرئيس علي عبدالله صالح الذي صار عمر حكمه يحسب بالساعات فقط.


وفي صنعاء، معقل صالح الذي حكم منه البلاد لأكثر من 33 عاماً، يمر الوقت مشحوناً بترقب كبير وبهجة غامضة وهو يدنو بتثاقل نحو الثلاثاء.


هذا الثلاثاء: الموعد المضروب لكسر الاحتكار التاريخي للسلطة في واحدة من أبرز دلالاته النهائية وأعمقها دون الحاجة لعرض مشاهد يوم انتخابي ضاغط بالانفعالات.


إذ يعادل بحدثه السياسي والاجتماعي أحداث نحو أربعة وثلاثين عاماً بحسبة قصيرة المدى ويعادل بحسبة تاريخية استراتيجية مئات السنين وهو على وشك تحرير الحكم من مركزه الحصري.


غير أنه لن يكون كذلك إلا حين النظر إليه برؤية كلية دون تجزئة عناصرها من الأشخاص والظروف والاستثناءات إضافة إلى تخليصه من عوارض الزيف التي بدأت تحيط به والاحتشاد الضرير الذي يسفه ما سواه من المواقف.


ثمة احتشاد وتحشيد كبيرين لإنجاح تثبيت عبدربه منصور هادي رئيساً انتقالياً للبلاد عبر انتخابات مقصورة عليه، وهما إجراءان جيدان لكن المبالغة فيهما وشرعنة كل تفاصيلهما المعروفة باستثنائيتها، تنقلب إلى ضرب من العمى.


يتوجب أن يوضع الحدث في إطاره الخاص والاضطراري حتى لا تثقله حمولات باهظة قد تنكل بما هو معول عليه.


كل ما في الأمر أن اختيار الرئيس الانتقالي عبر انتخابات على بعد ساعات قليلة هي الخطة السلمية المتاحة لعزل الرئيس علي عبدالله صالح من الحكم وإيداعه لدى المسؤول الثاني في الدولة. إنها عملية التقاط العناصر المتاحة: التوقيت والشخص البديل والأسلوب.


وأي إفاضة عن هذه الحدود لن تعني غير محاولة لإثقال كاهل المناسبة بحمولات لم تُكيًف لتستوعبها سواء من جانب المتشيعين لها خارج إطارها الاضطراري أو الرافضين لها بحثاً عن مناسبة مثالية.


فليس على المتحمسين بشدة للانتخابات أن يجهدوا أنفسهم مثلاً لتبرير الحدث ومحاولة تقنينه أو سوق الثناء لعبد ربه منصور هادي وصقل سيرته كأن يقول أحدهم سأرشحه لأنه لم يصلً في ميدان السبعين.


من المناسب توفير هذه الجهود إلى موعد الانتخابات الطبيعية التي ستلي الفترة الانتقالية بعد عامين. أما الآن فلا أحد من عناصر العملية الانتخابية أو الوضع السياسي القائم بحاجة إلى دعاية من هذا النوع. فكل تلك العناصر لم يكن لها حق اختيار ماهي عليه.


ولم يحدث أكثر من أنها تواجدت في مواقع رشحتها للدور الذي تبدو عليه حالياً فمثلاً لو كان شخص آخر غير عبد ربه منصور هادي في منصب إنابة رئيس الجمهورية يوم توقيع اتفاقية نقل السلطة لوقع انتدابه آلياً لنفس الدور كيفما كانت سيرته وانتماؤه.


سيكون من شأن هذا الحدث أن يكشف إلى أي مدى طور اليمنيون وعلى الأقل المشتغلون بالسياسة ومتعاطوها منهم صوغ اختلافاتهم في منهاج ودي، يفضي إلى ترشيد الرؤى والسياسات العامة وتمحيصهما.


وسيتحول علي عبدالله صالح من كيان مادي يشتمل على جهاز رئاسة ومعسكرات وقصور وأرصدة سرية مجهولة.. إلى جملة أحداث في كتاب يمكن لأي منا أن يتصفحه ثم يحصي كم من الخيانات غدرت بأحلام الملايين بين 17 يوليو 1978 حتى 21 فبراير 2011.


ذلك مهم للغاية كي لا تكرر الجماعات السياسية والمجتمع عامة بناء تاريخ مماثل من تمكين الاستبداد والانشغال بالمصالح الفئوية والخلافات الصغيرة، مثلما أن الانتفاضة الشعبية التي طوت عاماً كاملاً يجب أن تظل أقرب نذير لأي جهة تتولى الحكم لمنعها عن اقتفاء طريقة نظام صالح في الحكم.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك