استقطاع فاصل للإلهاء

كلما ارتفعت حدة الغضب الدولي على نظام الرئيس علي عبدالله صالح وهاجت ساحات الاحتجاج عازمة على اقتحام منطقة الفصل الأخير من الثورة، يلقي زعيم النظام بدلو ماء ليطفئ ما توقد ضده ويكسب جولة جديدة من الوقت.

 

يوم الاثنين، فوض صالح نائبه الفريق عبدربه منصور هادي بالتوقيع على الخطة الخليجية لنقل السلطة مشترطاً قبل توقيعها "الاتفاق على آلية مزمنة لتنفيذها" بعد إجراء حوار بين أطراف الخطة.


وهي المرة الأولى التي يصدر فيها صالح قراراً رسمياً بتفويض نائبه التعامل مع الحالة اليمنية القائمة منذ نشوئها لكن بطريقة الافتئات على مطلب نقل السلطة الذي من شأنه وقف الانهيار الداخلي وسكون الجبهات الملتهبة والساحات الشعبية الضاجة بالثورة.


فالقرار في مراميه النهائية يعني بدء الحوار مجدداً للتوصل إلى ملحق تفسيري زمني لتنفيذ الخطة الخليجية الأمر الذي يعني بالضرورة الغوص في اختلافات وتجاذبات تستغرق وقتاً أطول من الذي تطلبه علي صالح ليرضخ للقبول المبدئي بالخطة.


وفي صياغة القرار، ينأى صالح بنفسه عن الحالة الراهنة محاولاً الاستعلاء بنفسه عن أنه ند وطرف في الحالة بل يواصل محاولة إكساب نفسه صفة حارس الاتفاق وراعيه بما يبقي موقعه محصناً ومهاباً بالرغم من أن الانتفاضة الشعبية تفجرت من أجل الإطاحة به في المقام الأول.


لذلك ورد في نص المادة الثانية من القرار "يعمل بهذا القرار من تاريخ صدوره ولا يجوز لأي طرف نقضه أو الخروج عليه" وهي صياغة ساذجة ورديئة لفظاً ومعنى، لمحاولة صاحبها ارتداء ثوب الوصاية من موقع الضعيف على آفاق العملية السياسية كلها وجلب تعقيداتها كاملة بقرار رئاسي من قرارات الجريدة الرسمية ثم منع أطراف العملية من رفض الاتفاق المفترض أن تتوصل إليه فاستورد إلى نص المادة جملة النهي العجيبة "لا يجوز".


وليس معروفاً بعد كيف يمكن التعامل مع "لا يجوز" هذه في التقاليد السياسية وقاموس السياسة.
مع ذلك، فالقرار يشي في مضمونه العام بأن صالح قد يئس من إمكانية عودته إلى الحكم وممارسة مهام الرئاسة، ليس لما يتلقاه في مقر استشفائه بالعاصمة السعودية من تنبيهات وضغوط وحسب بل لطبيعة الواقع الداخلي التي لن تمكنه مجدداً من المناورة طويلاً أو حتى استئناف إقامته في صنعاء بصورة طبيعية.


يبدو أن كل ما زال قائماً من آمال صالح هو الحفاظ على مكابرته وصورته في الذهنية المنغلقة لدى مناصريه كرجل لا ينحني أو يُسقط كلمة لا حتى لو شكلت حداً بينه وبين المنطق، وللتوفيق بين ذلك وتسليم السلطة، رأى أن عليه تخويل نائبه بالتصديق على الخطة الخليجية "بما يفضي إلى إجراء انتخابات رئاسية مبكرة يتفق على موعدها وتضمن انتقالاً سليماً وديمقراطياً للسلطة" حتى لا يقال بين أنصاره إن صالحاً رضخ أخيراً.


في طريقة تفكير الرجل فإن ذلك يمثل نصف هزيمة وهو أخف من هزيمة تامة أو كاستعارة وجه أحدهم لتلقي صفعة كانت موجهة إليه.


وفضلاً عن كل ذلك، يبقى جوهر الهدف مما يلقيه صالح هو استقطاع فاصل زمني لتهدئة ما يكون قد اشتعل عليه وإشغال الأطراف المحتشدة ضده بالجدل في مقترحاته وتصوراته مما يضمن له التحكم بإيقاع المواجهة حتى يكسب أطول وقت ممكن، يقلص الفارق الزمني بين عام 2013 ولحظة خلعه.

هو ذاك أسلوبه المميز في كبح جموح المنتفضين عليه بطريقة ترويض لينة، تقترب من الإلهاء.


كانت المباحثات التي أجراها مبعوث الأمم المتحدة جمال بن عمر في أغسطس مع طرفي الحكم والمعارضة قد خلصت إلى تبني "خارطة طريق" لحل المشكلة اليمنية، تتضمن نقل السلطة من صالح إلى نائبه يعقبه مباحثات لاتفاق على فترة انتقالية، يجري خلالها تشكيل حكومة مصالحة وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية والتحضير لانتخابات رئاسية يجري تحديد موعدها في وقت لاحق.


تميزت خارطة الطريق الأممية عن الخطة الخليجية بتبني هيكلة أجهزة المؤسسة العسكرية التي يسيطر عليها أقارب صالح كما اكتسبت صفة إلزامية قوية، تغلق باب المناورات التي لاذ إليها النظام هرباً من تنفيذ خطة دول مجلس التعاون الخليجية. وحتى المحادثات التي أفضت إلى الخارطة فقد سمع رجالات النظام في صنعاء لهجة حازمة لم توجه إليهم من قبل.


وظهر أثر ذلك على مسلك المعارضة السياسية في شكل ثقة كبيرة بقرب نقل السلطة. وتحدث أعضاء في قيادتها بتفاؤل مفرط عن اقتراب أجل التوافق على "خارطة الطريق" والانتقال إلى مرحلة جديدة غير واضعين في حسبانهم نَفَس المراوغة السياسية الذي يتحلى به زعيم النظام وسيستدعيه لمقاومة تسليم السلطة ولو لفترة قصيرة.


وفي الطرف المقابل، أطلق نظام الرئيس علي عبدالله صالح عقب تلك المحادثات عملية دعائية ضخمة ببث مقاطع مسجلة لزعيمه ومعاونيه الذين يستشفون في الرياض لإحباط انتقال السلطة والعملية السياسية برمتها.


وبالتزامن مع تلك الدعاية الإعلامية القائمة على استرهاب أعين الناس و إظهار فريق صالح معافى ومستعداً لاستئناف الحكم دشنت القوات الموالية لصالح على الأرض سلسلة اعتداءات مسلحة وعمليات اغتيال لنشر الرعب ووأد العملية السياسية حتى يقتنع العامة بالحالة الشللية الراهنة مقابل الأمن ونسيان مصير السلطة مما يسمح للنظام بالبقاء حاكماً حتى 2013 كما يتمنى.


ولم يكتفِ النظام بحشر رجالاته العرج وأنصاف المتعافين والمحطمة أعضاؤهم للعرض البصري الثقيل بل نقًب عن المقعدين وطريحي الأسرًة ليزج بهم في العرض كي يوهم المتلقين والمعارضة السياسية والأطراف الدولية أن طاقم صالح جاهز للحكم والمقارعة من جديد.


بموازاة ذلك، شنت قوات صالح سلسلة اعتداءات مترابطة في توقيتها وأهدافها فهاجمت للمرة الثانية بالقنابل اليدوية والبنادق الرشاشة المدخل الجنوبي في ساحة التغيير بالعاصمة صنعاء وفي اليوم التالي لذلك الهجوم، قصفت نقاطاً ومواقع لقوات الفرقة الأولى مدرعة في منطقة شملان مما أسفر عن سقوط جرحى.


كما اغتيل قائد حرس المجمع الحكومي بمحافظة عمران وهو ضمن قوات الجيش التي انشقت عن نظام الحكم وانحازت للثورة الشعبية وبعد يومين من اغتياله أحبط اللواء 310 مدرع بعمران ما قال إنها عملية لاغتيال قائده العميد حميد القشيبي بواسطة عبوة زرعها عنصر في سيارة الأول وكانت معدة بتقنية متطورة ومن مواد شديدة التفجير.


وبعدها بيومين، قُتل شخصان وأصيب آخر في انفجار سيارة مفخخة مستهدفة المجمع الحكومي في مديرية المطمة بمحافظة الجوف، الذي تبسط جماعة الحوثيين سيطرتها عليه.


تعطي تلك الاعتداءات مجتمعة مؤشراً على أن نظام صالح شرع في شن حرب استنزاف مضادة لحمل القوات المنشقة بقيادة اللواء علي محسن صالح على التراجع عن حرب الاستنزاف التي تديرها ضد الجيش الموالي لصالح في أرحب ونهم وتعز وبدا أنها بدأت تنال منه وتضيق الخناق عليه.


كما تحمل الاعتداءات المتزامنة طابعاً انتقامياً ضمن مخطط ثأري واسع لابد أن صالح يبيته منذ بدء الانتفاضة الشعبية على حكمه ورسخ لديه عقب الهجوم على قصره الرئاسي لتشرع أجهزته في تنفيذه حالياً بالتزامن مع ظهوره وقد استعاد الجانب الأساسي من صحته التي تمكنه من الإشراف على مخططه الانتقامي.


نُقل عن طارق عبدالله صالح قائد القوات الخاصة المكلفة بحماية صالح أن الأخير أوصاه خلال إفاقته من صدمة الهجوم بألا يطلق رصاصة واحدة انتقاماً من الجهات التي سيعتقد أنها تقف وراء الهجوم.


ويحمل هذا التنبيه من صالح صحته من خلال مضمونه ومعرفة شخصية صاحبه الذي لم يقلها تسامحاً وحرصاً على الوئام الوطني بل لمعرفته أن قادة تشكيلات الجيش من أقاربه سيكونون هدفاً سهلاً لخصومهم المجربين في حال دخلوا معهم في مواجهة ثأراً لصالح خاصة أن الأخيرين تمكنوا وفق اعتقاده من الوصول إليه وهو ما لم تقدر عليه جهة ما منذ توليه الحكم قبل 33 عاما.


حتى مرور 24 ساعة على قرار صالح تفويض نائبه بالتحاور مع المعارضة بشأن الخطة الخليجية لم يكن قد صدر موقف مفصل من المعارضة السياسية أوى قوى الثورة التي صار المجلس الوطني واجهتها السياسية باستثناء تصريح من المتحدث باسم أحزاب اللقاء المشترك محمد قحطان يرفض فيه القرار فيما يبدو.


وقال قحطان إن "أي حديث عن حوار قبل التوقيع على المبادرة الخليجية إنما يأتي من باب تضييع الوقت وتضليل الرأي العام". وأضاف: الثورة ماضية في طريقها ولن تلتفت إلى أي هراء أو مغالطات معهودة، داعياً قوى الثورة إلى مواصلة التصعيد الثوري السلمي حتى إسقاط النظام وتجاهل "البالونات التي يرميها بقايا النظام لغرض البلبلة والإرباك والتنصل من الاتفاقات الإقليمية والأممية".


ولو مضت المعارضة في هذا المسار فإنها تكون قد كسرت للمرة الأولى منذ قيام الانتفاضة الشعبية الإيقاع الذي يرسمه النظام لسير المواجهة. ويجدر بها أن تفعل ذلك.

 

* الصورة لمتظاهر في صنعاء مطلي وجهه بألوان أعلام اليمن وليبيا وفلسطين


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك