اليمن وأوروبا المعاصرة بعيون سينمائية نمساوية

تنتج السينما النمساوية سنويا 20 فيلما دراميا و20 فيلما وثائقيا من النوع الطويل المخصصة للعرض في دور السينما أما الرأي والبلاغة فيمكن مشاهدتهما في الفيلم الوثائقي النمساوي الذي أصبح على مستوى عالمي في النمسا منذ فترة الفيلم المشهور عالميا وهو " سنطعم العالم " الذي أنجز في عام 2005.


وتوجد في النمسا ثلاث مجموعات من الأفلام في الأولى تتواجد الأفلام الناجحة إما في المهرجانات الدولية أو المحلية، غير أن عدد هذه الأفلام قليل.


وتتعرض الأفلام الكوميدية النمساوية بشكل متكرر إلى الانتقاد بسبب هبوطها غير أن لها جمهورها أما المجموعة الثانية من الأفلام وهي كبيرة نسبيا فتتألف من أفلام فنية تتظاهر بأنها تعرض تأملات عميقة عن الحياة مع أن اغلبها هو من النوع الممل فكريا.


ويتم الدوران حول هذه الأفلام بصمت من دون أن يتجرأ أحد في النمسا على انتقادها بشكل مباشر ويشاهد هذا النوع من الأفلام عدة ألاف فقط ومن ثم توجد أفلام لا تصل إلى أحد ولا تعرض حتى لمشاهدي المهرجانات والحد الأقصى الذي تحققه هو عرض التلفزيونات العامة لها في أوقات متأخرة من الليل.


ويحتوي النوع الأول على أفلام يمكن أن تدرس في تاريخ السينما أما المجموعتين الاخرتين من الأفلام فتتألف من أفلام سرعان ما يتم نسيانها .

 

النظيف كل شيء بالنسبة له كذلك

مهرجان هذا العام للأفلام النمساوية " دياغونالي " الذي نظم قبل فترة في مدينة شتريسكي هراديتس تضمن الأنواع الثلاثة من الأفلام المشار إليها أما الترويج الأكبر فكان خلال المهرجان للمجموعة الثانية لان متفرج المهرجان الطليعي يحضرها بسعادة.


وقد عرض المهرجان أيضا " التجليات " وهي الأفلام التي على الرغم من صعوبة مواضيعها ستنتمي إلى الأعمال التي سيعود إليها المتفرجون على الأرجح بعد عدة أعوام ومنها فيلم ابيندلاند الذي يمكن أن يعني اسمه ارض المساء أو الغرب أي أوروبا الغربية والذي يحاول فيه نيكولاس غيرهالتير التقاط أوروبا هنا والآن أما الفكرة الأصلية للموضوع فكانت تصوير الأماكن غير الاعتيادية في أوروبا الموحدة حيث تختفي الفروق بين الدول.

 

ويقول المخرج: إننا لم نبحث عن الأماكن المحلية الخاصة ولم نبحث عن الأمر حسب الأماكن وإنما حسب الوظيفة في إطار النظام أما الأماكن فيمكن التبديل فيما بينها وإن كانت أماكن خاصة مثل حدود الاتحاد الأوربي مع المغرب أو ساحة القديس بطرس في روما.


البحث في أوروبا استغرق ثمانية أعوام غير أن المخرج اضطر في النهاية إلى حذف أماكن في شمال أوروبا والبلقان من السيناريو لان الأمر تعلق حسب المخرج فيما إذا كانت أوروبا الغربية ككل يمكن الإمساك بها من الناحية الدرامية.


التصوير جرى في الأعوام بين 2008 ــ 2010 وعرض الفيلم لأول مرة خلال مهرجان شتيرسكي هراديتس ويتـألف الفيلم من لقطات طويلة لاماكن محددة ومن دون تعليق ولذلك فهو عبارة عن سفرة شخصية جدا عبر القارة أما الربط بين المشاهد فهو جمعي لكنه منطقي.


وقد شكلت بعض اللقطات استثناءا مثل نقل المهاجرين غير الشرعيين من مطار فيينا التي تم تصويرها بدون إذن عبر عدسة تلفزيونية.


ويعلق المخرج على هذا الأمر بالقول بان نقل المهاجرين هو موضوع سياسي حساس إلى درجة انه لم يسمح لنا عرضه عن قرب وقد حصل العاملون في الفيلم في النهاية على إذن للقيام بعشرين عملية تصوير تقريبا وان الأمر تطلب في بعض الأحيان الانتظار عدة اشهر وكان من الصعوبة بمكان الحصول على موافقة لتصوير الأسلاك الشائكة حول منطقتي مليلا وسبتا الأسبانيتين في أفريقيا على الحدود مع المغرب.


أحداث الفيلم تجري إما مساء أو في الليل حيث يكون كل شيء له معنى أكثر حدة صحيح أن النشاطات الليلية حسب المخرج هي " منخفضة لكنها من حيث المضمون أكثر بروزا ، فقد أردنا في الفيلم أن نظهر عبر الصور قلعه اسمها أوروبا فنحن نعرف نظريا بأننا نعيش بوضعية خاصة غير انه عندما نجد أمامنا صورا محددة حول كيفية حماية ترفنا فان الأمر يظهر بشكل آخر، لقد أردت أن اظهر الأشياء التي نعرف بها بشكل ما ولكنها تجري في الخلف أو نحاول منع ظهورها لأنه لدينا وضوح بان إظهارها ليس أمرا نزيها سياسيا ".

 

لنذهب

لم يستخدم المخرج نيكولاوس غيرهالتير الكاميرا الخفية شارحا ذلك بالقول " إن الكاميرا بالنسبة لي تخلق الساحة التي يبدأ الممثلون التمثيل فيها وتقديم أنفسهم أما طريقتي في العمل فهي تحويل الواقع الذي أصوره إلى نوع من المسرحية الخاصة " أما الأمر المفاجئ الأخر في الفيلم فهو بان المخرج لا يلتقط الأوضاع العنيفة أو الفظة كما انه لا يظهر الأوجه المقلوبة من الوجود الإنساني ولا قذارة الحياة وإنما يظهر الأشياء العادية ويظهرنا بأننا أفراد نظيفون في عالم نظيف.


الفيلم يظهر أيضا والى درجة مفزعة كيف يجري تنظيم كل شيء حولنا بدءا من الولادة وانتهاء بالموت وان كل شيء جرى التفكير فيه وأيضا أن كل شيء تحت الرقابة.


كما يظهر الفيلم المجتمع الأوربي بأنه مجتمع الرفاهية وفي نفس الوقت مجتمع معاق أما مواصفات المجتمع الأوربي الحالي فهي التسلية واليات الرقابة المجهولة والنهم

 

الهروب من الجنة

حظيت باربارا فالي المتخصصة في تاريخ الفن ومنظمة العديد من المعارض وصاحبة العديد من الجوائز على سمعة رائعة في النمسا. والدها كان سياسيا وقد درست في باريس وسالزبورغ وفلورنسا. ومارست التعليم في جامعات لينز وسالزبورغ وأصبحت رئيسة للأكاديمية الصيفية للفن التشكيلي في سالزبورغ وكانت علاقاتها في عالم الفن التشكيلي ملهمة لكل النمسا وقد اهتمت بالفنون والدين وتكامل الأجانب وفن العمارة غير أنها في السنوات الأخيرة بدأت تعيش مسلمة ولاسيما في اليمن.


والسؤال الذي يفرض نفسه هنا كيف يمكن أن تتحول امرأة متحررة إلى امرأة مسلمة وان تترك الجنة الأوربية؟


على هذا السؤال يحاول الإجابة فيلم ( الجاذبية العربية ) الذي صوره المخرج والمصور اندرياس هورافت والصحفية البولونية والمترجمة التي تعيش في النمسا مونيكا موسكالا.


الفيلم هذا اعتبر من الأكثر إثارة ومتابعة في المهرجان وهو يتحدث عن أن فالي وقبل وقت من بلوغها سن التقاعد قامت برحلة إلى اليمن في عام 2004 وهناك تعرفت على الدليل السياحي الخضر الشرافي الذي يصغرها بعشرين عاما والذي دخل إلى قلبها خلال 24 ساعة.


فالي تشعر بعد وصولها جوا بشكل معقد إلى اليمن بأنها مريضة ومتعبة غيران الدليل السياحي وبنوع من السحر يعالجها ولذلك تشعر في اليوم الثاني وكأنها ولدت من جديد وتتطور الأحداث معها بسرعة حيث تقوم لاحقا باعتناق الإسلام وتتزوج منه وتترك النمسا لتلتحق به كي تعيش وفق التصورات الإسلامية كامرأة ثانية له كما تقوم في صنعاء بتأسيس أكاديمية إعلامية للنساء وعندما تعود إلى سالزبورغ تعيش فيها أيضا كمسلمة.


المخرج هارفات يقول بأنه كان يعرف فالي قبل وقت طويل من اعتناقها للإسلام ولذلك رأى أن قرارها أن تصبح امرأة مسلمة يمكن أن يكون مقابلا للتحمل كفيلم


ويضيف أن هدفه في الفيلم ليس إيجاد تفسير للسبب الذي جعلها تقدم على ذلك وإنما إظهار تعقيد الأشياء.


وقد وافقت باربارا على تصوير فيلم عنها كي تؤكد أنها مسلمة سعيدة ولذلك يتم تصويرها في سالزبورغ وهي تصلي على سجادة وكيف تعقد المنديل فوق رأسها بناء عل طلب زوجها وان كانت تفعل ذلك بدون رغبة كبيرة كما يتم رصدها مع زوجها في اليمن وفي قرية شوموفا الرومانية حيث تمتلك منزلا صيفيا يوجد على الحدود تقريبا مع أوكرانيا


السيدة فالي تفهم الفعل الذي أقدمت عليه بأنه عملية معرفة مؤكدة أنها كانت طوال عمرها معتادة على الكفاح ضد الأفكار المسبقة وضد عدم احترام الناس الذين لهم أراء أخرى أو من عرقيات أخرى أو يعتنقون قيم أخرى وان هذا الأمر قد يكون احد أسباب قرارها بان تصبح مسلمة.


وتضيف أن قولها الذي تكرره دائما هو " إن الإنسان لا يتوجب عليه أن يوافق غير انه يتوجب عليه الإصغاء بانتباه قبل أن يكون رأيا له "


باربارا فالي لا تعبر في الفيلم أبدا عن أي أراء بشان نظام الحكم الاوتوقراطي والطوائف الإسلامية وتدخل القاعدة في شمال اليمن الذي يقدم على انه مكان لمقارعة الإرهاب كما أن لا احد يسألها عن ذلك أما دولة ملكة سبأ ( اليمن ) فتقدم كدولة الجمال الطبيعي والناس الطيبين غير انه يمكن في الأسفل القراءة بان النمساوية الأنثوية لديها خوف ليس من الموت فقط.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك