عدّاد الشعب!

الكل يتحدث باسم الشعب اليمني، ويكتب ويتحالف ويخاصم ويقاتل باسم الشعب أيضاً! انعدام التواضع في ادعاء التمثيل يمثل جزءاً كبيراً من المعضلة اليمنية.

 

حدث ذلك ويحدث على كل المستويات السياسية والإعلامية، وحتى المواطن البسيط عندما يعبر عن تذمره من الوضع القائم فإنه يتحدث أيضاً عن "معاناة هذا الشعب البائس" ولا يتحدث إلا قليلاً عن معاناته هو ورؤاه وتقييمه لما يحدث!

 

المحصلة أصبح لدينا في بلاد السعيدة ملايين الناطقين باسم الشعب.

 

المليشيات المسلحة أيضاً إنما تمارس جرائمها من صعدة إلى عمران وصولاً إلى أبين وشبوة (باسم الشعب).. ودفاعاً عن مصالحه! البيانات الصادرة عن مكتب عبدالملك الحوثي أو عن ناصر الوحيشي لا تقول أكثر من ذلك.

 

عندما تستمع أو تقرأ لسياسي أو كاتب يمني يستحيل أن تغيب عن حديثه مفردة "الشعب"، حتى وإن نجح في تقديم توصيف رفيع للأحداث وقراءة ثرية للموقف، بناء على رؤاه واتجاهاته التي سيحولها فجأة إلى رؤى واتجاهات "الشعب"!

 

الرئيس السابق علي عبدالله صالح الذي أجبرته ثورة الشباب على التخلي عن الحكم ما يزال أيضاً يتحدث باسم "الشعب" ويمارس السياسة، ويحتفظ بالأموال المنهوبة ويحظى بالحصانة أيضا (باسم الشعب)!

 

في الشبكات الإلكترونية للتواصل الاجتماعي، ستجد الجميع يؤكد بلسان الحال أو المقال "أنا الشعب والشعب أنا"!  

 

حتى الصحف التي يتم ضبطها متلبسة أكثر من مرة بالترويج للكذب، والتشفي من القوات المسلحة اليمنية وتقديم إسناد معنوي واضح للجماعات المسلحة، فإنها ستحاجج بقوة إنها تتحدث نيابة عن "الشعب" ولمصلحة الشعب!

 

أقلام كبيرة مارست النقد الرفيع لم تسلم من هذه العدوى أيضاً، فالحوار الوطني ومخرجاته وكل ما حدث في "موفنبيك" هو مجرد هراء، لأنها – ببساطة - لم تأخذ برأي "الشعب" التي وردت في مقترحات ماجد المذحجي ورضية المتوكل!

 

تقول أدبيات الرأي العام إن التطابق والاتفاق يتحقق عندما يعزو بعض الناس مصادر معارفهم واتجاهاتهم إلى الآخرين (عملية إسقاط)، أو عندما يفترضون أن اتجاهاتهم ومعارفهم هي ذاتها اتجاهات ومعارف الآخرين (عملية تقمص) أو عندما يكون لديهم جميعاً معلومات متشابهة وتصور مبسط للأمور المعقدة (عملية التبسيط).

 

في الحاجة لتقليص مساحات الإسقاط والتقمص والتبسيط في خطابنا السياسي والإعلامي اليمني، اقترح أن يتم اختراع "عدّاد" يحصي على كل متحدث وكاتب استخدامه كلمة "الشعب"، ويكون ذلك معياراً لتقييم مدى جودة أو ضعف الخطاب، ولتبدأوا بكاتب هذه السطور إن شئتم.   

***

برقية من مواطن يمني إلى د.ألفت الدبعي- عضو لجنة صياغة الدستور اليمني.

حياكم الله وبعد: ستكون سابقة تاريخية لو ضمنتم الدستور الجديد مادة تطالب اليمنيين بالتوبة، ومواد أخرى تفصل مقاسات للتطرف، وصفات من يدخل النار ومن يدخل الجنة.

 

اللغة الفاشية التي توزع مقاسات جاهزة لكل ما سبق لا يمكن أن تنتج دستوراً بلغة المستقبل. ستكون النتيجة مخيبة للآمال عندما نترك ملفات المستقبل ونتفرغ فقط لتسجيل بطولة وهمية على حساب شيخ طاعن في السن بدأ يتخفف من المشاركة في الشأن العام، وفضّل ترتيب خياراته على نحو مخالف لكثير من رفقاء دربه.

 


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك