رسالة مفتوحة إلى رئيس

فخامة الأخ عبد ربه منصور هادي، رئيس الجمهورية،
الأخ الأستاذ إسماعيل الوزير، رئيس لجنة صياغة الدستور،
الأخوة أعضاء لجنة صياغة الدستور،
تحية طيبة، وبعد:

تابعنا وقائع مؤتمر الحوار الوطني، ووقفنا على مخرجاته، وما أسفرت عنه بعض الخطوات التنفيذية حتى الآن، لاسيما تقسيم اليمن إلى ستة أقاليم، ثم تشكيل لجنة صياغة الدستور، ومارافق كل ذلك من تصريحات وبيانات ووجهات نظر مختلفة. وانطلاقاً من القاسم المشترك بيننا جميعاً، وهو المسؤولية الوطنية، إسمحوا لنا أن نعبر عن مشاعر القلق، تجاه مايدور في الواقع، ومايُرسم للمستقبل، وأن نشارك، ولو على سبيل التنبيه، في توضيح بعض أسباب هذا القلق:
1. يتسم الوضع الراهن بالفوضى وتشوش الرؤية، بمظاهرهما المختلفة: ضعف هيبة الدولة ـ الإنفلات الأمني ـ تردي الأوضاع المالية والإقتصادية والإستثمارية في البلاد، مترافقة مع تردي الحالة المعيشية للمواطنين وتزايد معدلات البطالة، لاسيما في أوساط الشباب وخريجي مؤسسات التعليم العالي ـ إنحدار المستوى التعليمي وتدهور أوضاع المؤسسات التعليمية ـ تراخي الروابط الإجتماعية بين مكونات المجتمع اليمني الواحد، بفعل الحالة السياسية والإقتصادية والأمنية القائمة، وبفعل تراجع الثقافة الوطنية الجامعة وبدء ارتسام معالم خارطة جديدة لليمن في وعي الناس، ذات طابع مناطقي وطائفي وعشائري ـ تعاظم ظاهرة الفساد المالي والإداري في أجهزة الدولة، رغم أن هذه الظاهرة كانت واحدة من أهم محركات الثورة الشبابة الشعبية، التي ألقت على عواتقكم عبء المهام، التي تضطلعون بها الآن...إلخ.


إن الخروج من الحالة الراهنة، يتطلب وضوحاً في الرؤية وتعزيزاً لدور الدولة وفرض هيبتها والأعتماد في إدارة الشؤون العامة على الكفاءات الوطنية النزيهة، التي لم يلوثها الفساد، ولاتشوب فكرها وسلوكها وانحيازاتها شوائب المناطقية والعشائرية والمذهبية، ولاترتبط بولاءات خارجية، ولا تغلب مصالحها الخاصة على المصالح العامة للشعب والوطن. 

 

2. لتجاوز سلبيات النهج، الذي انتهجته السلطة السابقة، في إدارة شؤون اليمن الموحد، طُرحت، منذ فجر الوحدة اليمنية، وجهات نظر متعددة، حول الصيغة المثلى لإدارة دولة الوحدة، في سياق التفكير الوطني الوحدوي المسؤول، كان أقدمها وجهة النظر، التي طرحناها، عام 1993م، إبان تفاقم الأزمة المبكرة بين شريكي الوحدة، متضمنة صيغة (الإدارة المحلية كاملة الصلاحيات في كل ماهو شأن محلي) . ثم توالت الأطروحات مع تزايد مظاهر فشل السلطة الحاكمة في إدارة الشأن العام وعجزها عن تحقيق أهداف الوحدة. ولم تلق السلطة حينذاك بالاً لمايُطرح من تصورات وحلول، تَنبَّه أصحابها مبكراً إلى الأخطاء البنيوية، في تكوين دولة الوحدة، وهي أخطاء أدت إلى بروز الأزمة وتفاقمها، حتى انتهت إلى حرب عام 1994م. 

 

وبعد ثورة الشباب وانعقاد مؤتمر الحوار الوطني برزت وجهتا نظر رئيسيتان، منطلقتان من فكرة الوحدة الإتحادية، كبديل للوحدة الإندماجية، التي فشلت السلطة الحاكمة في إدارتها، الأولى: تقسيم اليمن، وفق الصيغة الإتحادية المعروفة، إلى إقليمين (شمالي وجنوبي). والثانية: تقسيمه إلى أكثر من إقليمين.
3. إختتم مؤتمر الحوار جلساته، قبل أن يتوافق المؤتمرون على صيغة محددة للتقسيم الجديد. وخُوِّل رئيس المؤتمر، رئيس الجمهورية، صلاحية تشكيل لجنة خاصة، لإعداد مشروع التقسيم. وتمخضت أعمال اللجنة عن إعلانٍ بتقسيم اليمن إلى ستة أقاليم. ولم تُجهد اللجنة نفسها في مناقشة جادة لخيار الإقليمين، كما لم تَعُد اللجنة إلى المؤتمر، لتطرح عليه التقسيم الذي توصلت إليه، ليخضعه المرتمر للتداول والنقاش، قبل إقراره. وبدا الأمر كما لو أن ماتوصلت إليه اللجنة قد أصبح أمراً واقعاً، لايحتمل سوى التنفيذ. 

 

وهنا يبرز سؤالان: 
السؤال الأول: هل يحق للجنة، مكونة من عدد محدود من الأفراد، أن تقسم الأرض والشعب، ثم تفرض هذا التقسيم على شعب بكامله، دون أن تأخذ رأيه، عن طريق الإستفتاء الحر المباشر، ليقرر مصيره بنفسه، بدلاً من أن يقرر بضعة أفراد أمراً خطيراً كهذا، رغم نواياهم الحسنة؟ 

 

أما السؤال الثاني فهو: لماذا أُهملت الصيغة الأخرى، وهي صيغة الإقليمين؟. لقد طُرحت هذه الصيغة في مؤتمر الحوار الوطني، ولم يتوقف عندها المؤتمرون، ليعطوها ماتستحقه من نقاش مسؤول، قد ينتهي إلى القبول بها أو إلى الرفض المبرر. وقد أثارت هذه الصيغة ثائرة البعض، وصورت على أن هدفها المبطن هو الإنفصال، بعد إنقضاء المرحلة الإنتقالية. وكأن الرافضين لهذه الصيغة ينطلقون من فرضية، أن السلطة الحالية ستستمر على نهج السلطة السابقة، وستواصل نفس الممارسات، التي أوصلت الأخوة في الجنوب إلى اليقين بأن وضع الجنوب لن يتحسن إلا بفك الإرتباط والعودة إلى الوضع، الذي كان قائماً قبل عام 1990م، مما يجعل هؤلاء الرافضين لصيغة الإقليمين واثقين، إستناداً إلى هذه الفرضية، من أن الأمر سينتهي بعد المرحلة الإنتقالية، حتماً، إلى تعزيز الإقتناع لدى الأخوة في الجنوب، بأن لاحل للمسألة الجنوبية إلا بالإنفصال. ولو أن هؤلاء وضعوا في اعتبارهم أن اختلاف النهج والممارسة، سيقودان إلى اختلاف النتيجة، مااستبعدوا مناقشة هذا الخيار. 

 

إن صيغة الستة الأقاليم، التي انتهت إليها لجنة التقسيم، يمكن أن تواجه بالمنطق نفسه، الذي استخدم في رفض صيغة الإقليمين. فما الذي يضمن، بعد الفترة الإنتقالية أن لاتطالب بعض الأقاليم الستة بفك الإرتباط، بقناعة ذاتية أو بتحريك خارجي، لاسيما الأقاليم الغنية بالنفط، كإقليم حضرموت وإقليم مأرب؟ وهناك من المؤشرات، الداخلية والخارجية، مايمكن أن يجعل هذا الإحتمال وارداً، إذا ماوضعنا في الإعتبار المصالح الأقليمية والدولية، ذات التأثير في مجريات الأحداث في بلادنا، وأدركنا أن سياسات الدول ومواقفها، تتلون وتتغير، وفقاً لمصالحها وبحسب ماتقتضيه استراتيجياتها البعيدة.

 

4. يسود اليوم قلق عام في أوساط الشعب اليمني، ومخاوف لها مايبررها. فاصطناع أقاليم وحكومات وبرلمانات وتشريعات ...إلخ، غير مؤسسة أصلاً على وجود كيانات سياسية سابقة، تم توحيدها في كيان سياسي إتحادي واحد، هو أمر لايسوغه عقل ولامنطق. لماذا يفتت الوطن الواحد بكامله إلى ستة كيانات (فيمزق الشمال، الذي كان كياناً واحداً قبل الوحدة، إل أربعة كيانات، ويمزق الجنوب، الذي كان كياناً واحداً، إلى كيانين)، إذا كان الهدف هو حل المسألة الجنوبية؟ ألم يكن من الأصوب والأدنى إلى العقل والأقرب إلى الموقف الوطني، الحريص على تجنب أي احتمالات مستقبلية لنشوء دول متعددة في اليمن، على أنقاض هذه الأقاليم الستة، ألم يكن من الأصوب، إذا كانت صيغة (الإدارة المحلية كاملة الصلاحيات) صيغة غير مقبولة، أن نأخذ بخيار الإقليمين (إقليم شمالي وإقليم جنوبي)، حتى مع احتمال تحول الإقليمين إلى دولتين، وهو احتمال لن يتحقق إلا إذا فقدت السلطة بوصلتها وواصلت نهج سلفها، في التعامل مع الجنوب. ألم يكن هذا الخيار هو الأسهل تنفيذاً والأقل كلفة، بل والأكثر تقليصاً للأضرار المحتملة؟. إن الأمر هنا لن يتطلب إلا العودة إلى كيانين إداريين، كانا قائمين إلى وقت قريب، بدلاً من هذا التكلف والإصطناع، غير المبرر، لكيانات لم تكن موجودة، ولن تدور فيهما عجلة الحياة بسهولة، في واقع قبلي مناطقي يتعطش وجهاؤه إلى الحكم، ويفهم كل منهم فكرة الدولة الإتحادية والأقاليم على طريقته، في ظل وعي متدني ومطامع محلية وإقليمية ودولية غير محدودة، وفي ظل فقر في الإمكانيات، حوَّلنا إلى متسولين في أبواب الدول المانحة والمنظمات الدولية.

 

وقد بدأت بعض أعراض هذا الفهم تعبر عن نفسها، قبل أن تبدأ مرحلة التطبيق، وذلك في التوجه إلى استبعاد أبناء الأقاليم الأخرى من حق المواطنة، في الأقاليم التي يعيشون فيها. ففي حضرموت نقرأ في المواقع الإلكترونية دعوة إلى استبعاد (الدحابشة) كما يسمونهم، أي أبناء الشمال. وإذا سُمح للبعض منهم أن يعيش في حضرموت، من منطلق إنساني، فلا بد أن يكون له كفيل حضرمي. مقلدين بذلك تفكير ونهج وسلوك بعض دول الجوار. ربما توطئة للإنصهار فيها مستقبلاً. وحتى في تهامة اليمن، الطيبة المتسامحة، وفي أوساط الفئة المستنيرة من الأكاديميين، طالب بعض أساتذة جامعة الحديدة بحصر حق الترشيح والإنتخاب، في انتخابات نقابة أعضاء هيئة التدريس، بأبناء إقليم الحديدة فقط، وحرمان أبناء المناطق اليمنية الأخرى من هذا الحق. ألا يكفي هذا لدق ناقوس الخطر والتحذير مما هو قادم، إذا واصلنا التعامل بخفة في مسألة خطيرة كهذه، وفقدنا فضيلة التأني والتبصر في إعادة رسم خارطة الدولة وصياغة معالم الحياة الجديدة في اليمن ؟


5. لقد أعلن الأخ رئيس الجمهورية، بأن تقسيم اليمن إلى أقاليم ليس تقسيماً سياسياً، بل تقسيماً إدارياً. ونحن نريد أن نتمسك بهذا التصريح وننطلق منه ونؤسس عليه. فنتساءل: إذا كان الأمر كذلك، ونرجو من كل قلوبنا أن يكون كذلك، فما معنى أن ننشئ من العدم ست حكومات للأقاليم وستة برلمانات، يمتلك كل منها حق التشريع، وسلطة قضائية مستقلة في كل إقليم؟ إنها صيغة تصلح في حالة توحيد دول مستقلة، في إطار دولة اتحادية واحدة. أما في حالتنا اليمنية الراهنة فإن هذه الصيغة، وبهذا التقسيم المصطنع، تؤسس لوضع يتجاوز التقسيمات الإدارية، كما يريدها الأخ الرئيس، إلى تقسيمات سياسية كاملة الملامح تقريباً. ألم يكن من الأسلم لليمن ولوحدة شعبه وأرضه، والأكثر وقاية له من احتمالات التمزق إلى كيانات سياسية متعددة مستقبلاً، أن نرجع إلى صيغة (الإدارة المحلية كاملة الصلاحيات في كل ماهو شأن محلي)، في إطار الدولة اليمنية الواحدة والبرلمان الواحد والتشريعات الواحدة ...إلخ؟. لقد كانت تلك تصورات عقلانية، انطلقنا فيها من فهم للواقع اليمني ومن استيعاب للتعقيدات، التي نجمت عن ممارسات السلطة الحاكمة، ومن حب لليمن وشعبه وإيمان بأن المستقبل في إطار دولة يمنية واحدة، تجسد قيم الحق والعدل والخير، هو المستقبل الأفضل لليمنيين جميعهم، دون تمييز أو اصطفاء. ولكن هل كان بالإمكان أن تلتفت السلطة حينذاك إلى صوت العقل، في وقت ارتفع فيه صوت المصالح الشخصية والأسرية والفئوية، وخفت صوت الضمير؟

 

6. إذا كانت العودة إلى فكرة (الإدارة المحلية كاملة الصلاحيات في كل ماهو شأن محلي) قد أضحت غير ممكنة الآن _ وأرجو أن لايكون الأمر كذلك ـ وأضحت العودة إلى فكرة (الإقليمين: الشمالي والجنوبي)، التي تنطوي على محاذير أقل من فكرة (الأقاليم الستة) غير ممكنة أيضاً، فإننا نرى أن العمل بالصيغة الإتحادية، بمفهومها الكامل، في هذه المرحلة، وعلى النحو المعلن رسمياً، أي المكونة من ستة أقاليم، من شأنه، شئنا أم أبينا، أن يؤدي إلى إضعاف التماسك الداخلي للدولة اليمنية، وقد يهيئ مستقبلاً إلى نشوء دول يمنية، بدلاً من الدولة الواحدة. وعلى ذلك فإننا نلح على إيجاد هيكلية تتناسب مع الواقع اليمني، لأن القفز على الواقع لايسفر إلا عن نتائج كارثية، لاتحمد عواقبها. واتساقاً مع هذا، نلح على تحري الدقة في استخدام المصطلحات والتسميات، عند صياغة الدستور الجديد، حتى لاتفتحوا الباب واسعاً لسوء استخدامها. ونقترح هنا، على سبيل المثال:

 

أن يتضمن الدستور إنشاء (مجلس إدارة) منتخب للإقليم، بدلاً من (مجلس وزراء).
أن ينتخب مجلس إدارة الإقليم من بين أعضائه (حاكماً للإقليم)، بدلاً من (رئيس وزراء).
أن يتوزع أعضاء مجلس إدارة الإقليم المهام المحلية المختلفة: الأمن ـ الإقتصاد ـ التعليم ـ المواصلات ـ ... إلخ. تحت أي مسمى، ماعدا مسمى (الوزير).
أن ينص الدستور على منح مجلس إدارة الإقليم صلاحية وضع القوانين المحلية الخاصة بالإقليم، بما لايتعارض مع دستور الدولة، على أن لاتصبح هذه القوانين سارية المفعول، إلا بعد موافقة البرلمان الإتحادي عليها. وهو برلمان منتخب من قبل كل اليمنيين، ويمثل جميع الأقاليم. 

 

إذا كنتم تتجهون بإصرار إلى إيجاد ستة أقاليم ببرلمانات ورؤساء ومجالس وزراء وقضاء ...إلخ، أي بهياكل دول مصغرة، وتضمين هذا كله في الدستور، فلتكن الصيغة، التي اقترحناها هنا، صيغة مرحلية، يمكن أخذها بعين الإعتبار عند وضع مواد الدستور. فهي تهيئ للأخذ مستقبلاً بالصيغة الإتحادية الكاملة، بعد اختبار هذه الصيغة المقترحة السهلة التطبيق، واكتساب أبناء كل إقليم الخبرة اللازمة في إدارة إقليمهم، واستيعابهم لفكرة المواطنة، بأفقها اليمني، أي حق كل مواطن يمني، فعلاً لاقولاً، أن يعيش ويمارس حقوقه كاملة، بما فيها حقوقه السياسية، في الإقليم الذي هو مستقر فيه، بغض النظر عن منشئة الأصلي. إن هذه الصيغة التمهيدية العملية، السهلة التنفيذ، ستجنبنا ظاهرة الإنتقال الإضطراري والتهجير الإجباري للمواطنين، التي تعاني منها بعض أقطار الوطن العربي اليوم. كما تجنبنا محذور تشظي اليمن الواحد إلى دويلات متعددة.

 

7. إن كل ماتقدم يجعلنا نهيب بكم، أن تتأنوا وتعيدوا التفكير مراراً، قبل أن تدفعوا باليمن إلى مزيد من الإرباك والإضطراب وإلى تنافر مكوناته الإجتماعية المتآلفة المنسجمة، التي تعايشت عبر آلاف السنين. وأن تنصتوا إلى صوت العقل الخافت، الخائف على مستقبل اليمن، وسط الأصوات الصاخبة، المسكونة بالمصالح الضيقة أو المصابة بقصر النظر. ولنحول تصريح الأخ الرئيس إلى واقع عملي، بوضع تقسيم إداري، يحافظ على وحدة اليمن، لاتقسيم سياسي يؤدي إلى تمزيقه. فالعبرة ليست في التصريحات والنوايا، بل بأشكال التطبيق وبالفعل الممارس في الواقع. ولتضعوا في أذهانكم مجمل هذه القضايا المقلقة، وأنتم بصدد إعداد دستور لليمنيين، يؤسس لحياة جديدة، ولايحمل في طياته جرثومة الفوضى والإضطراب والتفكك. فهذه مسؤولية تاريخية سيحاسبكم التاريخ عليها، وتحاسبكم الأجيال اليمنية الحالية، قبل أن تحاسبكم الأجيال القادمة.

 

وفقكم الله وسدد خطاكم إلى مافيه خير اليمنيين جميعاً 

 


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك