آليات التقييم المُجْحِفة للأوضاع في الزمن الجمهوري اليمني

أظهرَتْ السنوات الماضية افتقادنا، نحن اليمنيين، لشيءٍ ما مجهول في حكمنا على أوضاعنا السياسية خلال تاريخنا الحديث. ثمة ما هو غائب أو منسي في آليات التقييم لمرحلة ما قبل الانهيار والحرب.

وإذا كنا لا نَحكُم على موسيقانا وأطعمتنا بمعايير وأذواق الغرب، ونعتبر أن أفضل ما فيها هو محلِّيتها وطابعها الخصوصي وتلبيتها لأغراضها المنوطة بها، إلّا أننا في شؤوننا الأخرى، وبالذات ما يتعلق بالسياسة والدولة، نُنتِج خطابات نقدية تاريخية مترفة نستعير فيها حرفياً مقاييس وقيم مجتمعات وشعوب نظنها أرقى منّا.

فنحن، باسم "التحديث" أو أي شعار آخر، كنا نزدري في أحوالنا السياسية كل ما لا يزال يشبهنا، من أساليب وصفات. ونقدِّر كل ما نشبه فيه الآخرين الأكثر تحضّراً مهما كان سطحياً.

ورغم أن هذه الحاسَّة النقدية مطلوبة لتحفيز قوى التطوّر ودفعها للانتقال بالمجتمع إلى حياة بشروط أفضل، إلّا أنها قد تُستعمَل أحياناً للوصول بالمجتمع إلى نتائج كابوسية. وهذا ما سنلاحظه في هذا المقال.

نكتفي من الفنان علي الآنسي أنه أمسك العود وغنَّى على طريقته، ونقدِّر التجديدات القليلة التي أدخلها على فنه، لأننا ننظر إليها بإكبار في المجرى الكُلِّي لتطور الغناء اليمني. وهو بالطبع يطربنا بكل ما في نتاجه من نواقص، ولا نطمح إلى أن يكون قادراً على إطراب من ليس يمنياً.

بينما في السياسة لا نكتفي بتجديدات بسيطة ومهمة في ممارسة وتنظيم السلطة، مثل إقرار مبدأ الديمقراطية كأساس للشرعية، وإجراء انتخابات برلمانية لاختيار ممثلين عن الشعب لسن القوانين والتشريعات، وإن بقي في أداء الحاكم الكثير مما هو يمني، مما هو موروث ويشبهنا في حياتنا اليومية، نريده كاملاً منذ البداية على معيار دولة متحضرة عالية المستوى.

مثلاً، نخجل من كونه يحب المديح ويقرِّب من يتغنون بأمجاده، ونخجل من الشعبوية في خطابه أو من مظاهره الملوكية في نظام جمهوري، حتى لو حقق مآثر عظيمة لشعبه، تظل تلك التفاصيل تعذِّب فِكر المثقف والمناضل الحالم بنموذج ديمقراطي نظيف لا تشوبه شائبة.

مع إن الفرد في العادة لا يحكم على نجاحاته وأوضاع حياته عامة، إلّا بالنظر إلى الظروف الصعبة، الأكثر خصوصية، التي يعرف وحده كم قاسَى قبل أن يتمكّن من السيطرة عليها. والمكسب الذي يراه شخص سليل عائلة مرموقة، أو ثرية، أمراً عادياً، سيكون في نظر شخص بدأ حياته من الحضيض، أمراً ثميناً وجديراً بالحفاوة والتقدير.

وهكذا، فالتقدُّم البسيط الذي يحرزه شعب باتجاه أنماط حياة سياسية واجتماعية توصف في عالم اليوم بالرقي والعقلانية، يجب أن يُقيَّم ويُقدَّر بطريقة مختلفة، وبحساسية مختلفة؛ إلّا أننا في اليمن كنّا كأفراد (أقل) تشدّداً في الحكم على سلوكنا الخاص، سواءً في مستواه الشخصي أو العمومي، وكنا مع أنفسنا (أكثر) واقعية وتفهماً ووعياً باختلاف وتغاير الظروف وإمكانات الزمن الحضاري وحقائق المكان الذي نتأثَّر به ونؤثر فيه.

وفي الشأن الشخصي، كنا ننظر بتسامح إلى أنماط سلوك، وأفعال، وميول وأهواء، وارتباطات، لو تم مقايستها جميعها، والحكم عليها كلها، بالاستناد إلى منظومة أخلاق وأذواق العالم المتحضِّر، لأظهرت النتائج مقدار ما تتصف به هذه الأنماط والممارسات والميول والعادات من تخلف وفساد وبربرية وجور.

لكننا، في نفس الوقت، كنا متشددون بلا هوادة في تقييماتنا لسلوك الحاكم بالاستناد إلى وحدات قياس من مسارات تطوّر عالمية لم تكن "متزامنة" قط مع مسارنا الخاص، (التزامن أي التماثل في الزمن)، متجاهلين فوارق الزمن الحضاري وخصائص الواقع المحسوس وإمكاناته.

في الأصل مصيرنا السياسي كمجتمع، في اليمن، كان، إلى ما قبل 6 عقود، متزامناً (منضبطاً) مع مصائر مجتمعات شبه الجزيرة العربية. والامبراطوريات الإسلامية المتعاقبة حافظَتْ، من خلال هذا التزامن، على نسق تطور تاريخي يتكون من سلسلة من العادات وسمات الحُكم والظواهر الاجتماعية ظلَّت على درجة من التشابه طوال قرون: ففي حال لم تكن هذه المجتمعات محكومة من قِبَل والٍ أموي أو عباسي أو عثماني، فهي محكومة بسلطان محلي أو أمير أو إمام "شريف" أو شيخ.

وقد كان لثورتي 26 سبتمبر و14 أكتوبر العظيمتين، في ستينات القرن الماضي، الدور الحاسم في وضع مصير اليمن السياسي على مفترق طرق مع مصائر مجتمعات شبه الجزيرة العربية، فكانت في اليمن أول جمهورية: مبدأ جديد للسلطة يكون فيه الشعب، وهم عموم المواطنين داخل حدود الدولة، المصدر الوحيد للحصول على الشرعية. وهي نقلة جسورة ليست بالهيّنة.

وهكذا سار اليمنيون، في الشمال والجنوب، بمفردهم في طريق بِكْر بالنسبة لتاريخهم، طريق مستقل تماماً عن الطرق التي سلكتها مجتمعات وسط وشمال وشرق شبه الجزيرة العربية.

وعلى مدى عقود، كان كل شيء يختبره اليمنيون كانوا يختبرونه لأول مرة، المفاهيم والوقائع والأفكار وصيغ الخطاب والألقاب: جمهورية اشتراكية في الجنوب، وفي الشمال جمهورية تم استلهام خطوطها العريضة من التجربة الجمهورية الناصرية في مصر.

بدا وكأن اليمنيون يعيدون ضبط إيقاع تاريخهم الوطني كي يصبح متزامناً ومتناغماً مع تواريخ مصر والعراق وسوريا، بدلا عن حالة التزامن التي كان عليها مع تواريخ سلطنة عمان أو البحرين أو السعودية.

لكن، وإن كان من الممكن مزامنة (تنسيق) أقدار اليمن مع أقدار مصر على صعيد النظام السياسي، فمن المستحيل أن تمتد المزامنة والتنسيق بنجاح فيشملان حالة الدولة. ففي مصر، الدولة المركزية عريقة ومستمرة بانتظام موغل في القدم، على العكس من اليمن، حيث الدولة المركزية فيها لم تكن توجد في التاريخ حتى تختفي.

بحلول عام 1990، اندمج اليمنان الجمهوريان في يمن واحد. وتحرك الموكب اليمني الموحَّد الكبير، في نفس الطريق الذي بدأ عامي 1962 و1963. عملاق سياسي حديث التركيب في شبه الجزيرة العربية، وقد نقول هش التركيب، لكنه كان يضج بالحيوية والصخب في محيط يغلب عليه السكون. إنه وضع تاريخي ليس له سابقة في الماضي تسنده وتبرره. كان عليه أن يشرعن وجوده انطلاقاً من اللحظة في الحاضر، وليس انطلاقاً من تقليد عريق أو من نصّ عُلوي.

وشاءت المصادفات أن يستفيد النموذج التقليدي لدول الخليج والمملكة العربية السعودية، من الثروة البترولية الضخمة لتعويض نقص الشرعية بالرفاهية.

بينما كان النموذج الجمهوري الحديث في اليمن يجمع، إلى جانب الاضطراب السياسي، الفقر وشح الموارد. وكان ينبعث من ضعف هذا النموذج، ومن مساوئه الظاهرة، رسائل وانطباعات تُستخدَم في الجوار لتقوية شرعية وتماسك النموذج التقليدي في الممالك والمشيخات الخليجية.

ومع ذلك، نستطيع القول أنه، حتّى بعد العام 1990، كان كل شيء يسير سيراً حسناً، بالحد المعقول من الاستقرار الذي تتخلَّله فترات حرب متقطعة: حرب صيف 1994، ثم التمرد في صعدة ابتداء من 2004.

أمّا ما كان يحتاجه النموذج اليمني الحديث، فهو المزيد من الوقت ليكتسب التوازن والمتانة والكفاءة والقدرة على البقاء في شروط متغيرة.

غير أننا، قبل وخلال العام 2011، لم نكن نمتلك ما يكفي من الصبر وبُعد النظر، لتقدير أهمية الشوط الذي قطعناه وأخذه في الاعتبار مع كل خطوة نخطوها. وكان الوعي بكوننا نشتقُّ لأنفسنا مصيراً حضارياً مفارقاً لما هو سائد في محيطنا الجغرافي - هذا الوعي كان مفقوداً بشكل مفزع.

كنّا "الجمهورية اليمنية"، وهذه الفكرة بحد ذاتها تبدو اليوم أعظم مما كان بوسعنا قبل عشرة أعوام أن نقدِّره ونخاف عليه. ما الذي كنَّاه قبل الجمهورية اليمنية؟

لم يستوقفنا هذا السؤال. لقد أخذنا نتصرف كما لو أن كل ذلك الذي تحقَّق بديهي وزهيد ولا يستحق أن نخشى فقدانه حتى لو فقدناه، وكان علينا أن نفقده كله لكي ندرك قيمته. ومن دون أن ننظر إليه، ونقايسه، في أفق التاريخ الوطني، لن نستطيع إدراك القيمة الحقيقية لما فقدناه.

ولم يكن مطلوباً منا أبداً أن نكون متسامحين مع التخلف والظلم والفساد، ولا النوم مع الخطأ متحاضنين، ولم يكن مطلوباً منا التوقف عن التطوير والتجديد والإصلاح ونشدان الكمال، ولا التوقف عن استعارة أفكار وممارسات راقية من حضارات ومجتمعات أخرى، كان المطلوب فقط بعض التواضع الأخلاقي، وشيء من الحسّ التاريخي، والمسؤولية، والنزاهة في الحكم على تجاربنا وخطواتنا الجيدة نحو التحضر والرُّشد.

وكأنه لا يوجد خيار وسط وأكثر معقولية. فنحن إما أن نبخِّس بإفراط من النجاحات والمكاسب المحدودة - محدودة من وجهة نظر عالمية لكنها ثورية من وجهة نظر محلية- نبخِّس منها باسم التطلع إلى الكمال، وهو ما يقودنا إلى التردِّي من جديد في الحضيض وخسارة كل ما حقَّقناه.. أو أن نرضى، باسم واقعية منحرفة، عن الخرافة والانحطاط والنزعات الظلامية التي عادت اليوم لتحاصرنا من كل جانب!

كيف يمكننا أن نواجه قتامة الحاضر، الذي تصطرع فيه أشباح مطوَّرة من ماضينا المظلم، إذا لم تكن تجربة اليمن الجمهوري، بكل عيوبها ونواقصها، أداة معرفية وأخلاقية فعَّالة بأيدينا لخدمة الرغبة الصادقة في الخلاص واستعادة كياننا المحطَّم؟

الخطاب التاريخي الذي يقلِّل من شأن الزمن الجمهوري، ويحكم عليه، كله أو معظمه، بالفساد والزيف، بل ويشكِّك في وجود جمهورية من الأساس، هذا الخطاب يقوِّي من سردية الحوثي، ويوفِّر لها قاعدة إضافية ترتكز عليها. فإذا لم تكن هناك جمهورية، فما هي جناية الحوثي إذاً بحق اليمن واليمنيين؟ فلا يمكن أن تتوضَّح للناس صورة قبيحة للإمامة الحوثية من الزاوية الوطنية، إلا لو اعتبرنا ما كان قبل الحوثي عظيماً وجمهورياً رغم كل شيء، عظيماً بالقياس إلى ما كان عليه اليمن قبل الزمن الجمهوري، وهو عظيم بالقياس إلى ما تعيشه البلاد بعد الزمن الجمهوري بصرف النظر عن التفاصيل. مع العِلم أن الحوثي يَسند بعض إجراءاته وقرارات سلطته في صنعاء، إلى أخطاء ونواقص التجربة الجمهورية، الأخطاء والنواقص التي جرى تضخيمها وتوظيفها، بغباء أو بخبث، لنفي الجمهورية وإسقاطها معنوياً، وذلك تمهيداً لعودة الإمامة والفوضى.

الأنظمة وأشكال الحكم المختلفة لا تُوْلَد كاملة بضربة واحدة. هل كانت الديمقراطية في مدن اليونان القديمة مماثلة لديمقراطية أوروبا في العصر الحديث؟ لا، على الإطلاق. كانت ديمقراطية أولية في نطاقات اجتماعية صغيرة، كانت امتياز خاص بعدد محدود من المواطنين، إذ كانت تستثني العبيد والنساء من الحق في التصويت. لكن هذا لم يمنع مفكري الغرب عن استحضار النموذج اليوناني القديم كمصدر أول للمبدأ الديمقراطي.

هل كان نابليون جمهورياً؟ وهو الذي صعد إلى الحكم باسم الثورة الفرنسية على الملكية، وأطلق النفير لخوض سلسلة حروب وفتوحات، بهدف نشر أفكار الثورة، شملت أوروبا وفاضت من أوروبا نحو الشرق وصولاً إلى موسكو المركز المقدس للأمبراطورية الروسية.

أعلن نابليون نفسه إمبراطوراً، وراح يُنعِم على أقاربه بالهبات والمناصب والولايات، وكان يعمل بكل ما يخالف المبادىء الجمهورية للثورة الفرنسية. غير أن الناقد والمؤرخ الفرنسي مارسيل غوشيه، كتب في نهاية القرن الماضي أثناء تعقبه لخط التطور الذي سارت فيه الديمقراطية الغربية: "...وذلك لا يعني أن نابليون بونابرت هو شيء يشبه الملك؛ بل هو في العمق عكسه. إنّه يجسد إرادة الأمة، وليس ما يمسكها من الخارج ومما هو أعلى منها؛ إنه يجسِّد خارجية الدولة وليس وحدة الجسم السياسي مع نفسه في شخص السيِّد".


ما الذي فعله نابليون؟

يقول غوشيه: "أعاد بونابرت للمواطنين الشعور بأنهم يملكون الوسائل التي تسمح لهم بحكم أنفسهم؛ حتى ولو نزع منهم استعمالها".

وكان يوهانس ألتيوسيوس (1636 -1557)، وهو عالم قانون ألماني من معتنقي المذهب المسيحي الكالفني، وأحد أهم المنظرين للفكرة الجمهورية في شكلها الروماني - كان يعتقد بأن هناك نقيضين رئيسين لأشكال الحكم الجمهورية: مَلَكيّة الحقّ الإلهي والفوضوية. وما عدا هذين الشكلين يمكن أن يكون جمهورياً طالما يعترف بمبدأ سيادة الشعب ورقابته على القوانين التي يسنّها لنفسه.

على أن ما يغيب عن الأذهان، هو أن الجمهورية في اليمن لم تكن نقيضة فقط للإمامة الزيدية في الشمال القائمة على "الحق الإلهي"، بل كانت أيضاً نقيضة للتمزّق السلاطيني والمشيخي الفوضوي في الجنوب.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك