التحالف العربي.. هل كان بالإمكان قول "لا" منذ اللحظة الأولى ؟

كانت الساعة الثالثة صباحاً حين جاء أخي ليقطع نومي مدمدماً بأشياء غير مفهومة. رافقته إلى المكان الذي كان يتعالى فيه من الشاشة صوت منفعل لإحدى المذيعات، وهي تعيد تكرار الخبر الذي بدا في تلك اللحظة خيالياً:

تحالف عربي لإعادة الشرعية في اليمن.

مثل كل الأنباء الكبيرة، المزلزلة، التي ترسم بقوة فاصلاً بين زمنين، خلق هذا النبأ في نفسي مزيجا غريبا من الارتياح والقلق والحزن والحيرة.

لكن أهم شيء بدا لي لحظتها، وهو ما كان مصدر الغبطة، هو أن فصلاً جديداً من الصراع قد انفتح، ولم يتقرر كل شيء بعد على ذلك النحو الكابوسي الذي رسمه لنا مشهد التحشيد الحوثي -العفاشي لإخضاع كل شيء.

فقط قبل ساعات، كنت قد أغمضت عيني على حقيقة مفزعة وبالغة القتامة : لا سبيل إلى الخلاص من عفاش.

كان الانطباع الأرجح تلك الفترة هو أن هذه الجائحة الصادمة، وإن تصدرها الحوثيون، عائدة في الأساس إلى تدبير علي صالح ولن تخرج عن جلبابه، وربما لعب فهمنا لتسمية"ثورة مضادة"، التي راجت حينها في وصف ما يجري، دورا كبيراً في ترسيخ هذا الانطباع.

بما أن ثورة 11 فبراير هي التي قادت إلى خلع صالح من منصبه كرئيس، فلا بد أن الثورة المضادة تمضي حتماً في اتجاه إعادة تنصيبه بشكل من الأشكال، والشكل الذي ظهر ملائماً حينها هو التوريث.

لم يكن التعامل مع هذا الحدث يسيراً علي ، ولم أستطع تكوين موقف متناسق مما يجري، والأسوأ من ذلك أن المثقفين اليمنيين الذي كنت أعتمد عليهم في تكوين رأيي، لم يكونوا أحسن حالاً، فكانت النتيجة أنني وجدت نفسي مغتبطا لمرأى غطرسة واستعلاء حلف الزعيم والسيد يتحول إلى ذعر ويأس تحت أزيز ال F-16 ، بينما حرصت على إظهار موقف متحفظ جدا إزاء التدخل الخارجي. 

كان هناك الذين بادروا على الفور لوصف الحالة بالاستعمار أو العدوان، وعليه مضوا يخوضون حرب تحرير كلامية ظهرت حينها متكلفة وفقيرة جداً إلى الواقعية. ربما كان بالإمكان التحذير من نوايا استعمارية للتحالف، وهو ما تأكد لاحقاً، ولكن كان من غير المعقول حينها وصف استهداف الأرتال العسكرية لجيش الانقلاب، والتي كانت تتحرك في عدن وتعز بحس مناطقي مذهبي ، بأنه "استعمار" وبالتالي يستلزم، نظريا على الأقل، رفضاً قاطعا. 

الناس الذين كانت مدنهم تتعرض لحملات تطهير من قبل العصابة لم يعثروا لدى أصحاب هذا المنحى "الوطني" المغالي في وطنيته أية إجابة عن كيفية التصرف حيال هذا الخطر المباشر الذي يتهددهم بعد أن يرفضوا التدخل الجوي للتحالف. أيضا هذا الموقف يستتبع مواقف أخرى غير معقولة ، لأنه سيعني أن الرئيس الذي جرى الانقلاب عليه خائن، وكذلك النخبة السياسية التي تمت ملاحقتها وتشريدها من البلاد.

في المقابل، لم يكن الذين اندفعوا بحماس لتأييد التحالف أوفر حظاً في تبديد الحيرة والإجابة على الأسٔلة القلقة التي حامت حول طبيعة هذا التحالف وأهدافه. كان هناك استحضار للتدخل المصري في اليمن في ستينيات القرن العشرين كسابقة تحظى بارتياح في الوجدان العام اليمني، وخصوصا في الوسط الثقافي، وكان يتم أيضا الإحالة إلى حرب الحلفاء ضد النازية في أوروبا في منتصف القرن نفسه، وهي الحرب المجازة والمدعومة إلى حد كبير في الإنتاج الثقافي العالمي، وفي إنتاج مفكرين ألمان على وجه الخصوص.

لكن الذي سقط من ذهن هذا التيار هو أخلاقية "التحالف العربي" وأهليته كدول ومنظمات، وليس أخلاقية التدخل نفسه.

كيف يمكن لقادة هذا التحالف ، رعاة الثورات المضادة في العالم العربي ، أن يقفوا في وجه النسخة اليمنية من الثورة المضادة ؟ إضافة إلى أسئلة كثيرة لا يتسع المقام لذكرها. 

كانت الإجابة ، رغم بداهتها ، محجوبة حينها بالحماس للتخلص من التهديد المباشر. 

عموما لم يكن المأزق الأخلاقي الحقيقي قد تكشف تماما في البداية، لأن الجدل السابق بكل احتدامه كان يتمحور حول أفكار مجردة. ظهر المأزق مكتملا حين أخذت الغارات تخلف دبابة معطوبة للمليشيا إلى جانب عمارة مهدمة فوق رأس ساكنيها، وفي كثير من الأحيان تهلك العمارة وساكنيها وتسلم الدبابة.

ظهر المأزق الحقيقي مع استهداف الطيران للأعراس والأسواق والمدارس وصالات العزاء، ثم لاحقا مع محاربة السلطة الشرعية واستحداث المعسكرات والمعتقلات غير الشرعية وتفتيت النسيج الاجتماعي واقتطاع الجزر والموانئ.

الآن، بعد سنوات، وبعد كل ماحدث، قد يبدو وكأن الموقف الأول، الذي رفض التحالف العربي منذ لحظاته الأولى، كان الأصوب والأعلى أخلاقيا.

لا أعتقد ذلك، وليس ذلك لأن هذا الموقف قد انحدر مع السنوات إلى أن انتهى إلى الاستسلام لواقع الحوثيين وإلى التماهي مع سردياتهم معظم الوقت، ولكن لأنه ما زال متعذرا - حتى بعد أن غلبت على التحالف أطماعه الاستعمارية -، وسيبقى دائما متعذرا الخروج بحكم واحد وقطعي على تدخل التحالف كحدث تاريخي منذ البداية وحتى النهاية.. النهاية التي تأخرت كثيراً بالطبع.

بين الطلعة الجوية الأولى للتحالف، وبين أول إشارات الانحراف عن الغاية المعلنة له، كان هناك أمل لليمنيين بمصير أفضل بكثير من الحوثية، وكان هناك إمكانية لسيناريوهات أكثر ملاءمة لمصالح جميع الأطراف لو أن السلطة الشرعية كان لها من الإرادة ما يكفي لتفرض نفسها كطرف وكممثل لمصالح شعب كامل، ولو أن المملكة السعودية حافظت على ذات القدر من الوعي بحساسية وضعها الإقليمي والذي كان دافعها الأول في التدخل.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك