يوم قاسِ أمام "محطة المرأة البترولية" في صنعاء

أدارت مفتاح سيارتها واستبشرت خيراً بمشاهدة السيارات الأمامية وهي تبدأ السير، وسرعان ما خاب أملها عند توقف طابور السيارات فأوقفت سيارتها.


الشمس تحرق جنبها الأيسر ونوافذ السيارة مفتوحة لعل هواءً بارداً يعبر فيتجدد نشاطها، صراخ صاخب من السيارات لا يتواقف.. بدأت ملامح الاستهجان ترتسم على كثير من النساء المتواجدات في السرب واللاتي يشاركنها هذا الطابور منذ ساعات الصباح الباكر.


تدير وجهها إلى اليمين فتجد جبل عطان بجوارها فكأنما يحكي في كل حجرة منه قصة امرأة مرت من هنا وتعرضت للحظات شديدة الوطأة والمعاناة، وربما بلغ منها اليأس مبلغه؛ لمشاهدتها مئات النساء على سيارتهن أمام محطة تعبئة البترول، فترفع الراية البيضاء وتدير محرك سيارتها لتغادر الطابور وهي تجر أذيال الخيبة.

تبادر لذهنها تساؤل، ما الذي دفعني اليوم للدخول في سرب هذه النسوة للبحث عن البترول؟


ارتسمت على شفاهها بسمة يائسة، أين وصل بنا الحال نحن نساء اليمن؟ تزاحمت التساؤلات في رأسها حتى أحست أنه أوشك على الانفجار.

قطعت حبل أفكارها أصوات السيارات العالية، تنبهها بأن الطابور بدأ في السير، تنهدت عميقاً وتابعت نقل سيارتها من نقطة لأخرى وهي تنظر للأفق عند ذاك المنعطف الذي يتجه نحو المحطة والذي لا يكاد يتحرك كل نصف ساعة حتى يتوقف ليقطع كل الآمال.


أثناء الانتظار في السرب، تجول سيارات الوجبات الخفيفة ذهاباً وإياباً تعرض على السائقات الطعام والشراب فخلقوا بذلك مصدر رزق في نقطة حيوية من العاصمة صنعاء تضج بالسيارات والناس، أما دراجات المثلجات فقد وجدت لها وسطاً لبيع بضاعتها خاصة في هذا الأيام الصيفية الحارة والتي لا يبدو أنها ستنتهي قريباً.


تكررت أزمات النفط في العاصمة صنعاء وجميع المناطق الخاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي كان أخرها هذ الأزمة التي يعيشها المواطنون منذ قرابة الشهر وليس هناك أي مبشرات بقرب انتهائها في ظل هذه الحرب التي تشهدها البلاد منذ قرابة ستة أعوام.


لقد أصبح من المعتاد بين الفينة والأخرى أن يقوم الحوثيون - سلطة الأمر الواقع - بافتعال أزمة في المشتقات النفطية كمبرر لرفع التسعيرة أو لبيع النفط المخزن لدى قياداتهم كسوق سوداء، ولا يخفى ذلك على المواطنين، فالأحداث تكشفهم في كل أزمة، وأخرها كان الحريق الهائل في منطقة السنينة في العاصمة صنعاء في خزان تابع لقيادي حوثي من أسرة "الحاكم"، واحترق خلال هذا الحريق أكثر من ستة منازل متجاورة.


أشاد الكثير بتصرف الحوثيين عند تخصيصهم محطة بترول خاصة بالمرأة في ظل الأزمات النفطية المتكررة، ولكن لا يخفى على أحد أن هذا الإجراء ليس إلا تحدِ جديد يضاف إلى قائمة أعباء المرأة التي تعيش في مناطق سيطرتهم.


"محطة المرأة" هي محطة تقع في منطقة فج عطان، يبدأ العمل فيها منذ الساعة التاسعة صباحاً حتى الساعة الثانية عشره ظهراً، تتوقف المحطة عن العمل للصلاة وتناول وجبة الغداء والمقيل حتى الساعة الثالثة عصراً لتفتح أبوابها من جديد حتى الساعة السادسة مساءَ.


وفيما يتعلق بآلية عمل المحطة فاللجنة الخاصة بها تبدأ بالمرور على جميع السيارات المساربة لتبلغها أن السيارة لن تحصل على كرت التعبئة إلا عند تقديمها لأوراق الملكية وكرت السيارة وإثبات أنها تعود لامرأة، وأن من يقوم بقيادتها لابد أن تكون امرأة، ليس هذا فقط بل يقومون بإنزال أي مرافق يجلس بجوار السائقة ولا يسمح إلا بدخول العنصر النسائي فقط.


للوهلة الأولى يتبادر للأذهان بأنه إجراء حسن يعطي للمرأة حقها في الخوض في هذه التجربة بمفردها ولكن ما يحدث حقيقة هو استهانه بالمرأة ومحاولة إخضاعها من قبل مسلحي المحطة الذين يتحكمون بمن يدخل من المساربات، ومن يدخل من ذوي الوجاهة والوساطات من خارج السرب، ولا يحق للنساء المساربات إبداء اعتراضهن أو امتعاضهن من هذه التصرفات لأنهن سيفقدن حقهن في الحصول على كرت التعبئة عند بوابة الدخول للمحطة.


كرت التعبئة، هو كرت يختلف لونه من يوم لآخر بين أحمر وأصفر يحتوي رقم الكرت ومواعيد الدوام إلى جانب تعليمات تحدد كمية التعبئة المسموحة التي لا تزيد عن (30) لتر للسيارة الواحدة، وإشارة إلى ضرورة اصطحاب أوراق ملكية السيارة على أن تكون باسم المرأة كما ذكرت سلفاً، إلى جانب ملاحظة أسفل الكرت تشمل رقم المحطة للإبلاغ عن أي شكوى.


تقول إحدى المساربات "ج ع": إن لحظة وصولها لأمام المحطة انفرجت خلالها أساريرها وبدأت ملامح النجاح تلوح أمامها لوصولها لخط النهاية أخيراً، لكنها تفاجأت بمدير المحطة "عمر خالد " يوقفها ليشير لسيارة أخرى أتت من خارج السرب للتقدم عليها ويشير لامرأة هناك تسمى "أحلام" مسؤولة عن ترقيم السيارات في النظام للتقدم إلى صاحبة السيارة الدخيلة فتفتح بابها وتحدثها قليلاً بكل هدوء وسرعان ما تشير بالموافقة لمدير المحطة وتسمح لها بالدخول للمحطة على الرغم من كون هذه السيارة الفارهة لا تحمل لوحة على سيارتها فكيف قامت بإدخال أرقامها للنظام وكيف سمحوا لها بالدخول؟!


أكملت المساربة حديثها قائلة: ابتعد هذا المدير المزعوم من أمام سيارتي فتقدمت ودخلت المحطة وعيني على هذه السيارة الدخيلة وأتساءل كم لتر سيسمحون بتعبئتها؟


استغرقت السيارة وقتاً طويلاً أمام آلة تعبئة البترول وظل المسؤول عن الآلة "عمر خالد" يبحث عن تصريح لمعرفة كم يستمر في تصفير عداد آلة التعبئة، ويبدو أنه لم يتوقف حتى أكتفت السيارة ليرتفع مؤشرها وتقول لم يعد هناك متسع!


غادرت السيارة وكلي صدمة مما حدث ولكني تيقنت بأني منذ الصباح الباكر في طابور وهمي، تنتهكه العديد من السيارات الشبيهة بهذه السيارة الفارهة تحت إشراف عصابة ميليشاوية قائمة على الرشاوي والمحسوبية.


هذه هي "محطة المرأة" في العاصمة صنعاء، ليست إلا مثالاً مصغراً للتحديات والمعاناة التي تعيشها المرأة اليمنية في ظل الحوثيين غير القادرين على تنظيم عملية تعبة وقود السيارات، فكيف بإدارة بلاد بأكملها، وتظل المرأة اليمنية حكاية بين التحدي والصمود.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك