الإمامة وأشباحها في "قانون بني هاشم"!

هذا الأسبوع، انشغل قطاع كبير من اليمنيين على صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي بالتعليق والرد على وثيقة مُسرَّبة لـ"قانون" أصدرته جماعة الحوثي في صنعاء بخصوص الزكاة ينص لأول مرة على تخصيص نسبة كبيرة من الموارد، في النفط والمعادن والأسماك وغيرها، لمن أسماهم بـ"ذوي القربى من بني هاشم الذين حُرِّمتْ عليهم الصدقات".

هذه الإشارة الصريحة إلى شريحة اجتماعية تحتل موقعاً إشكالياً في التاريخ السياسي للبلاد، في نص يتخذ لنفسة صفة التشريع من خلال لغة الدولة، هي الأولى -والأخطر- من نوعها منذ سيطرة الحوثيين على العاصمة في 21 سبتمبر 2014. ثمّ ها هو "الخُمس"، الذي كان نكتة، قد أصبح منصوص عليه في وثيقة يسميها الحوثيين قانوناً للزكاة!

غير أنّ الإشارة بحد ذاتها إلى "بني هاشم"، والتي تكررت ثلاث مرات في الوثيقة المسربة، هي الحدث الذي يطغى من حيث الأهمية على محتوى الوثيقة. وفي هذه الإشارة يتماهى الحوثيين مع أعتى خصومهم الذين لم يكونوا بحاجة إلى دليل إضافي على أن فكرة الاصطفاء العرقي (الهاشمي) تقع في قلب التكوين الآيديولوجي والحركي لجماعة الحوثي، والذي بدوره يقود إلى إظهار التناقض بين دعاوى الحوثيين الوطنية وبين اعتناقهم لعقيدة التفوق عن طريق النسب على بقية المكونات في بلد لا يزال الناس فيه يقيمون اعتباراً كبيراً لمسألة الأنساب.

وتستدعي هذه الوثيقة إلى الأذهان التوتّر "القحطاني" "العدناني" الذي كان مثار جدل على مدى قرون. وحين يتعلق الأمر بعودة شبح "الإمامة" الهادوية الزيدية ممثلة بالحوثي، فلا غرابة أن تنهض، بالتوازي معها، كل الأشباح والخطوط التاريخية المتعارضة مع الإمامة والمتفرعة عنها بل ومعظم الاستجابات النمطية المصاحبة لها. لأن تاريخ "الإمامة" هو في الوقت نفسه تاريخ نقائضها المواكبة لها.

الصيغة الأحدث من ظاهرة الصراع القحطاني/ العدناني، هي التي نجمت عن استيلاء الحوثيين على العاصمة، ومورست أحياناً عبر مسميات ونعوت هزلية يتبادلها العوام والناشطين المناوئين للحوثي على مواقع التواصل، وكان النعتين الأكثر تداولاً وشهرة من بين هذه النعوت هما "القناديل" و"الزنابيل". والقناديل هنا هم السادة الهاشميين العدنانيين بينما الزنابيل هم القبائل اليمنيين القحطانيين.

ولا نعرف على وجه الدقة أصل هذين النعتين المعبَّئين بشحنة احتجاج وسخط وتحريض ضد مبدأ التمييز الذي يفترض مستخدمو مثل هذه النعوت أنه كامن في أساس الدعوة الحوثية. غالباً تكون النعوت مستقاة من مواقف وروايات تاريخية تستعاد في لحظات معينة لتوظيفها في عمليات التعبئة والدعاية دون الوعي الكامل بمنشأها.

أما الأصوات الأشد تطرفاً في هذا الاتجاه (أي الاتجاه "القحطاني"، بحسب الاصطلاح القديم الذي لم يعد متداولاً إلاً في نطاق نخبوي ضيق)، فلقد راحت تنعت الحوثيين، من ذوي الخلفية الهاشمية، بـ"المتورِّدين"، وهي كلمة مأخوذة من رسالة احتجاج بعثها عبهلة العنسي قبيل البدء في تحركه ضد الحكّام الفُرس في اليمن بعد أن انتقل ولاؤهم من الإمبراطورية الفارسية إلى مركز الدولة الإسلامية الجديدة في المدينة. لكن النعت يحيل، في استخدامه الجديد، إلى نفي يمنية الهاشميين على سبيل الهجاء والتحقير، مثلما يوحي أيضاً بأنهم "دخلاء" من أصل فارسي.

طوال السنوات الماضية، أي منذ صعود الحوثيين، ظلت الحالة الهاشمية من جانبهم تفصح عن نفسها ضمنياً في مظاهر وأشكال كثيرة ملحوظة من الجميع، مثل التعيينات والمناصب القيادية والتغييرات المستمرة داخل الهيكل الوظيفي للدولة وفي ملصقات قتلى الحرب.

وأدبيات الحوثيين وطقوسهم الدينية حافلة بالإشارة إلى موضوع النسب "المقدَّس"، لكن تحت مفهوم شامل يتكرر بلا انقطاع: "آل البيت"، والمقصود هنا آل بيت النبي محمد. وتنقسم المذاهب الإسلامية في تحديد من يدخلون تحت هذا المفهوم.

وتلتقي الفرق الشيعية في تعظيم المنتمين بالنسب إلى علي بن أبي طالب من جهة الحسن والحسين، وهما ولديه من زوجته فاطمة بنت النبي محمد. وليس من المؤكد أن يكون كل المنتسبين إلى "هاشم"، الجد الأكبر للنبي محمد، وهم من يطلق عليهم الهاشميين، ضمن مفهوم "آل البيت" لدى المذهب الزيدي الذي لا تعطي نظريته السياسية الحق في الحكم لجميع الهاشميين ولا لجميع العلويين بل للفرع العلوي من بني هاشم المنحدر تحديداً من ذرية الحسن والحسين.

على أن توسيع دائرة المستحقين لـ"الخُمس" في قانون الحوثيين الأخير لتشمل جميع "بني هاشم"، دون تخصيص لفرع منهم أو لمنطقة، قد يكون بهدف استقطاب أكبر قدر من العائلات الهاشمية في عموم اليمن بمختلف انتماءاتهم المذهبية.

وكانت السياسة التقليدية للحوثيين بشأن التعامل مع هذه المسألة تتكون من شقين: ممارسة "الهاشمية السياسية" في الواقع وعلى أوسع نطاق، وفي نفس الوقت الاستماتة في إنكارها أو البحث عن تبريرات وطنية لها عندما تقتضي الحاجة.

ومثل أي طبقة "مهيمنة"، أو تسعى إلى الهيمنة، ظل الحوثيين يطرحون خطاباً ماكراً معتمدين في ذلك على لغة مزدوجة: لغة داخلية بين أفراد الجماعة، وخارجية موجهة إلى عموم الناس "وفي هذه الازدواجية ردّ الفعل العادي والملازِم لأيّة طبقة سائدة تشعر بأنّ حظوتها مهاجَمَة وامتيازاتها مهدَّدة، ولهذا فهي مضطَّرة قصد التمويه إلى مزج مصيرها بمصير المدينة أو الأمَّة، ومزج مصلحتها الخاصّة بالمصلحة العامة"،(فرنان بروديل، مقال بعنوان "التاريخ والعلوم الاجتماعية: المدة الطويلة").

اللغة الموجهة إلى الخارج (خارج الجماعة) تستنهض الحمية الوطنية، أما الموجهة إلى الداخل، فتستنهض -عبر تقنيات خطاب خاصة- حمية العصبية لجميع "الهاشميين" المنضوين في دائرة التضامن على أساس الوعي بالنسب "الممتاز".

رغم أن جزء من هذا الخطاب الأخير يتم تمريره لعامة الناس في شكل من الوعظ الديني المرمز.

وعملية الشرعنة الجارية لسلطتهم هي أيضا مزدوجة في محتواها وأهدافها وأساليبها، ففي بعض الأوقات تجنح إلى تكثيف الأدبيات عن آل البيت والولاية، وأوقات أخرى تجنح إلى منطق الوطنية.

ولأن النسخة الوطنية التي ينتمون لها منقوصة بسبب أن رسالتها مذهبية، فإن الركون الى الحميَّة الوطنية لا يكفي. وهنا يأتي دور الحميَّة العصبية القرابية لتغطية الفراغات، فهي ضمانة أمنية خفية.

والسؤال هو:

هل انتهت الاعتبارات التي كانت تفرض على الحوثيين اتخاذ نهج أكثر حذقاً وتمويهاً؟


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك