عن معارك الدولة المؤجلة..

قبل أيام انطلقت معركة في أبين بين قوات الحكومة الشرعية ومليشيا الإنتقالي، هكذا فجأة سمعنا عن حرب دون سابق إنذار، شبّت المعركة ولم يعرف الناس أبعادها، هل هي حرب شاملة لبسط سيطرة الدولة، أم مناوشات عابرة بين خصمين يخوضان لعبة شد الحبل، دونما خطة كاملة لحسم المعركة.

معركة أبين نموذج لحروب الشرعية المقطّعة، ذلك النوع من الحروب التقسيطية والمتذبذبة، وهي حروب غالبًا ما تعكس ضبابية في الرؤية، تردد في القرار السياسي وفقدان القيادة لأي خطة عسكرية حاسمة وواضحة، وكمحصلة طبيعية لهذا الوضع، تكون النتيجة: تأجيل المعارك الفاصلة وإطالة زمنها لجانب رفع منسوب التكلفة، مع ما يخلفه ذلك من فتور في العزيمة لدى المقاتلين واستشراء مشاعر الإحباط لدى الناس وضعف الحماس تجاه أي معركة قادمة.

هكذا تدير الشرعية حروبها في الجنوب والشمال معًا، ترسو قواتها على مشارف المدن، ويعلق ساستها آمالهم على وعود التسويات الواهية، ففي الجنوب مثلا، ترابط قوات الشرعية منذ ثمانية أشهر في شقرة، في البداية كان المبرر إتفاق الرياض، وحتى بعد ثبات فشله، لا يبدو أن الشرعية رتبت بدائلها لحسم الوضع وإنهاء سياسة الحروب المؤجلة. أما مناوشات أبين الأخيرة، فتبدو أقرب للضغط العسكري أكثر منه مؤشرات لمعركة شاملة ومحكمة.

إن منطق الحرب يقضي أن يكون المحارب متأهبًا على الدوام للمبادرة في حسم المعركة قبل أن تنفجر ضده، عليه ألا ينتظر حتى يبتدئ الخصم بمناوشته، طالما كانت تجربتك مع هذا الخصم تؤكد أن التراخي يمنحه فرصة للتأهب وتقويضك في نهاية المطاف. في هذه الحالة ما يتوجب على الطرف الباحث عن الإستقرار وأعني هنا الدولة هو أن يخطط لإنهاء كل البؤر التي يتوقع أن تكون عوامل تهديد مستقبلي له.. دون أن يعول على أي منطق مهادن أو يركن لتطمين عابر من هذا الحليف أو ذاك الوسيط المخاتل.

يقولون: المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين،

إلا أن شرعية هادي وحكومته هي مثال معكوس تمامًا، نموذج عصي على الفهم في تكرار الخديعة من ذات الجحر ولعشرات المرات، وغالبًا ما يكون هذا الجحر هو معاركها المؤجلة مع كل الأطراف التي خاضت ضدها حروباً في الشمال والجنوب على السواء. ويبدو أن السبب هو أنها لا تؤمن بذاتها، لا تثق بأنها الممثل الحصري لهذا الشعب والملزم شرعًا وقانونًا بالدفاع عن مصالحه العليا وسيادته، وعدم تقبل أي مساومة مع من ينازعها هذا الحق أو يتواطأ معه داخليًّا وخارجيّا.

أظن الحكومة الشرعية إذًا، هي الوحيدة التي تعرضت لنكسات كثيرة بسبب منطقها المضاد في خوض الحروب، منطق قائم على التأجيل وطول الأمل الخادع. فهي أكثر طرف تمنح خصومها الوقت الكاف لترتيب أمورهم وبدء المعركة ضدها ثم تستيقظ أخيرا للدفاع عن نفسها. لكنها لا تفعل ذلك حتى تكون الفرصة قد ذهبت من يدها؛ لينتهي بها الأمر وقد فقدت المدينة تلو الأخرى، وهكذا دواليك.

هكذا تزداد الشرعية ضعفًا وتتقوى شوكة خصومها وبما يرفع تكلفة دحرهم أو تُجبر في النهاية على خوض تسوية مخادعة معهم.. ولك في سياسة التعاطي مع الحوثي والإنتقالي خير أمثلة على ذلك.

هذا التفكير المتراخي هو السبب الأبرز وراء خيبات الشرعية وخسارتها المتلاحقة منذ حروب عمران مرورا بكل المعارك اللاحقة وليس إنتهاء بمعركة عدن وحتى سقطرى توشك أن تخسرها كاملة لذات السبب ومؤخرا تحركت معركة أبين العالقة وهي معركة مؤجلة أيضًا، ولا يبدو أن الشرعية حسمت أمرها هناك أو غيرت استراتيجة المعركة، تلك الإستراتيجية القائمة على الإنتظار حتى يجهز عليها خصمها بدلًا من أن تذهب هي لمناجزته في عقر داره، وبسط سيطرتها على الأرض بقوة الأمر الواقع ومنطق الشرعية الذي يمنحها إمتيازاً خاصاً في حق السيطرة.

فكرة أخيرة: هناك نموذج وحيد فقط تصرفت فيه الدولة بروح متأهبة وإدارة ذكية وفورية للمعركة، هو نموذج شبوة الحاسم، وهي المبادرة الوحيدة التي أقدمت فيها الشرعية على الحرب بتصميم وتخطيط جيد، وكانت النتيجة مثمرة، حيث تمكنت من إرباك خصومها وتحقيق إنقلاب كبير في معادلة السيطرة على الأرض وتثبيت وجودها. لكنها توقفت بعد ذلك وعادت لتكتيكها القديم في الجلوس على مقاعد الإنتظار، ومرافئ الحروب المؤجلة.. بينما كان يتوجب أن تستلهم درس شبوة وتتخذه كمنهجية ثابتة وليس مجرد ضربة حظ عابرة.

الخلاصة: إن أكثر ما يستنزف الشعب ويهدر تضحياته ويراكم خسارته هو هذه الطريقة المائعة في إدارة الدولة للحرب. إن ترددها في خوض معركة لا بد منها، لا يجنبها الحرب أو يحفظ مقدراتها، بل يضاعف الخسارة أكثر، فعندما تتوانى عن خوض حربك الضرورية بتوقيتك وإختيارك، ستكون فيما بعد مرغمًا على خوضها اضطرارًا، وقد بات خصمك متحكماً بالميدان وصرت في موقع الدفاع، حيث احتمالات الخسارة أقرب إليك من مؤشرات النجاح.



* المقال خاص بـ "المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك