السلام المغشوش..

لا يوجد أمة تهوى العيش في حرب دائمة، فالحروب ليست نزهة والموت ليس مظهرًا للرفاهية، وعليه ما من شعب إلا ويرغب في السلام، فالشعوب ليست هواة حروب، وغالبًا ما تفرض عليها قسرًا أو تخوضها اضطرارًا للدفاع عن قيم أساسية تشعر أنها تعرضت للتهديد من أي طرف ما داخلي أو خارجي ويغدو التعايش معها صعباً والحياة صعبة.


وبهذا تكون الحرب الحقيقية هي حرب للبحث عن شروط حياة جيدة يكون السلام فيها حقيقيًا وموثوقًا ؛ لكن السؤال المهم الذي يتجلى أمام أي عملية سلام يبدو أعقد من الحرب ذاتها، فما هي نوعية السلام الذي ترغب به الشعوب التي استنزفتها الحروب، وعلى أي أساس يجب أن يكون هذا السلام، ولماذا جل تجاربنا مع اتفاقيات الماضي تبدو فاشلة بالإجماع، في هذه الحالة ألا يكون التشاؤم إذًا من كل تجربة حديثة منطقيًّا أكثر من الابتهاج بها والتشبث بوهم خادع، ثم ما هي الضمانات المطلوبة لصمود أي اتفاقية سلام جديدة..؟

كل هذه التساؤلات مشروعة ولديها ما يبررها، فلا يكاد اليمني يذكر إتفاقية يمنية حدثت بين طرفي نزاع، إلا وكانت فاتحة حرب جديدة ومحطة لدورة عنف تتخلق من قلب السلام المزعوم؛ لكأن الحرب هي الوليد الشرعي المرتقب من كل سلام أُسس على بنيان هش، فظل ساكنًا لفترة وجيزة، ثم ما لبث أن انهار البناء وأغرق البلاد في مسلسل عنف بلا نهاية.

هذا المآل الصادم لتجارب السلام الماضية في بلادنا، يؤكد حقيقية واحدة هي أن أي سلام يبنى على أسس غير سليمة هو نوع من الخديعة التأريخية التي لا تحسم مشكلة ولا تعالج أسبابًا للصراع، وأقصى ما تفعله هو أنها تؤجل الحرب وتطيل زمن المعاناة، وبهذه النتيجة يكون ما حدث من إتفاق هو سلام مغشوش وهذا النوع من السلام أكثر سوء من الحرب نفسها، فهو يسهم في تضليل الشعوب عن جذور المشكلة ويصدر حالة خادعة من الإستقرار فيما الحقيقة أن هذه الاتفاقيات المدجنة تجعلنا معلقين في الجحيم وما ينتظرنا بعدها هو دورات عنف متتالية، ومستقبل مجهول.

وبالنظر لهذه النتيجة التي تقودنا إليها هذه الاتفاقيات، يكون مفهوم السلام مجرد "استراحة محارب" يمضي فيه الأطراف فترة مؤقتة ثم تعاود الحرب انفجارها بصورة أكثر شمولية، وغالبًا ما يكون السبب المركزي لهذه العثرات المتكررة هو أن اتفاقيات السلام، بنيت على توافق قسري وعلى قاعدة المخاتلة ووزعت الأدوار فيها بمنطق المحاصصة التأريخي وليس بموجب قواعد السلام الضامنة لمستقبل صحي للجميع.

وكنتيجة طبيعية لما سبق، فإن أي عملية سياسية تنتج من هذا التوافق تظل مهددة بسبب عدم وجود قوة ضامنة لها، لجانب هشاشة مركز الدولة الخاضعة لشروط تسلبها حقها في احتكار القوة، كما هو حال اتفاق الرياض، وتصادر صلاحيتها السيادية بل وتضع الدولة بكاملها تحت الانتداب الخارجي وتشرعنه ثم تتيح لمن ينازع الدولة سلطتها الاحتفاظ بقوة خاصة به، بهذه الحالة من الطبيعي أن يلجأ هذا الطرف لنسف العملية السياسية عند أول منعطف لا يصب في مصلحته الخاصة.

ولعل ما حدث في إنقلاب الحوثي وصالح في 21 سبتمبر بعد سنوات أقرب مثال على هذا، فبعد ثلاث سنوات من دخول الشعب في مصالحة المبادرة الخليجية التي منحت "صالح" وضعًا خاصًا، جعلته يتموضع كدولة داخل الدولة ثم برز قطب أخر يملك قوة خارج سيطرة الدولة، فتحالف الطرفان في لحظة ما وتمكنوا من تقويض الدولة، والنتيجة حدوث كل هذا الدمار والحراب الشامل وإعادة البلاد مائة عام للوراء، والسبب واضح وبسيط، هو أن العملية السياسية التي ترتبت على اتفاقية المبادرة الخليجية كانت مكشوفة، ومن يقود المرحلة الانتقالية لم يكن يسيطر كليًا على القوة الضامنة لحراسة العملية السياسية، وقبل هذا وبعده أن بعض الأطراف الداخلة في العملية الانتقالية كانت لها قوتها العسكرية الخاصة، وهو ما قاد لانهيار كل شيء وحدث ما حدث؛ حتى وصلنا لهذا الحال.

مرة أخرى، لا شيء يستنزف الشعوب مثل الاتفاقيات المغشوسة والسلام المشوه، هذا النوع من مسكنات المصالحة التأريخية هو أكبر الخدائع التي أعاقت مشروع الاستقرار الدائم الذي تنشده الشعوب منذ تحررها من الاستعمار الخارجي، فكما هو معروف للجميع، وهذا مثال أخر رغم اختلافه عن الأمثلة مثار الحديث هنا إلا أنه يشكل نمطاً جذرياً وأوسع للإتفاقيات الكارثية أن دول الاستعمار حرصت على ترتيب اتفاقيات انسحاب من البلدان المستعمرة بشكل يضمن بقاء هذه الدول في دائرة الصراع والفوضى الداخلية وسلمت شؤونها للعسكر، وهؤلاء بدورهم تولوا مسألة صياغة الدولة على مقاساتهم، من هنا بدأت مسألة الاتفاقيات التي لا تؤسس لدول، بقدر ما تشرعن لواقع مختل، تبقى فيه الشعوب أسيرة لتناقضاتها الداخلية وتداريها بالحلول المؤقتة، بدلاً من التنقيب عن جذور الاختلالات واجتثات كل ما يعيق نهضة الشعوب على كل المستويات.

وعلى ما يبدو أن دول الخليج تفعل الشيء ذاتها في إطار تمهيدها للإنسحاب الكلي من اليمن.

على كل حال، يبقى أن صيغة السلام الوحيدة التي يرغب بها الشعب ويسعى إليها، هو سلام الدولة، أي ذلك النوع من السلام الذي يؤسس لكيان ثابت وقوي يحفظ حقوق الناس وحرياتهم ومصالحهم مثل كل شعوب الأرض، هذا هو السلام بمفهومه البسيط، سلام لا تقرره موازين القوى التي أفرزتها الحرب؛ بقدر ما يفرضه منطق الدولة الكاملة، بصرف النظر عن المنتصر والمهزوم في المعركة. وهذا النوع من السلام الذي يضع شروطاً كافية ترسخ فكرة الدولة بكامل مقوماتها هو الضامن الوحيد لعدم انهيار أي اتفاقية سلام في المستقبل.

أخيرًا: إن أي صيغة سياسية لا تجيب على سؤال الدولة بشكل قاطع؛ بل وتسعى لارضاء أطراف الصراع على حساب مقومات الدولة، فهو سلام هش ومؤقت، سرعان ما سينهار فيه مشروع الدولة المرتقب، يحدث ذلك حين تكون اتفاقية السلام بين القوى المتصارعة قائمة على المداراة، حيث تحتفظ القوى المتصالحة بامتيازات حصرية تناقض مفهوم الدولة، ثم بعدها تسعى لفرض نفسها وصية على تحديد مصير الشعب بما تملكه من امتيازات النفوذ السياسي أو العسكري المهددة للمصالح العليا للأمة، ومن هنا تنشأ الحروب ودورات العنف المتتالية بلا انتهاء، ومن هنا يكون السلام خديعة والمصالحة وهم كبير، وهذه هي الصورة النهائية والمتوقعة والتي تلوح من أفق اتفاق الرياض بين الشرعية والمجلس الإنتقالي، وإن غدًا لناظره لقريب.


* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك