النكاية كتدمير.. اليمن نموذجاً

ثلاثة من العرب يفرحون لكل تقدم عسكري يحرزه الحوثيون، وكلاء النظام الإيراني في اليمن، ضد السعودية وكل من يحارب انقلابهم العسكري الممتد منذ سبتمبر/ أيلول 2014: هناك أولاً خامنئيو الهوى والعقيدة من عربٍ وجدوا في دموية القيادة السعودية والجرائم التي ترتكبها في اليمن، منذ أربعة أعوام ونصف العام، شمّاعة يخفون خلفها "إيرانيتهم" ويبرّرونها بها.

ثم تجد ناطقين باسم الضحايا من غير اليمنيين للسياسات السعودية العدائية الاستفزازية المغرورة، وهم من كل الجنسيات العربية تقريباً، ممن اعتبروا أن الانتقام للإهانة التي لحقت بهم من قيادة الرياض المتهورة (كي لا نستخدم مصطلحاً يفتقد التهذيب ويخدش الذوق العام)، يجوز الاحتفال به على حساب ما بقي من يمنٍ ضربه الخراب التام بشعبه وبأرضه وبهويته. ثالثاً، تعثر بالجملة على عربٍ بلا عقلٍ، يرقصون فرحاً على أنغام النكاية، لكل "إنجاز" يحققه الحوثيون (اقرأ: من النظام الإيراني) داخل اليمن أو خارجه. 

والفئة الثالثة تلك ربما تكون الأكثر عديداً، ذلك أنها تتوسل في "أدبياتها" اللغة الأسهل، لغة الانتقام غير المكلف من السعودية، بتشفٍّ يرصد الحدث المباشر ويتأثر بمشهديته ويخاطب من خلاله غرائز ومخيالاً جماعياً مناهضاً للنظام السعودي، له الكثير الكثير مما يبرره، وهو عابر لحدود بلدان عربية، لكنه لا يحسب اي حسبان لما يعنيه أن يصبح اليمن، بشماله وجنوبه وشرقه وغربه، بلدا عربيا إضافيا يحكمه رجال الخامنئي من خلال حوثييهم تحت شعار أن أي شيء يبقى أفضل مما جنته الهوية العربية علينا.

ولكن بين تفهُّم قواعد الحرب التي تفيد بأن القتل السعودي يُردّ عليه بقتل حوثي، والقصف السعودي بقصف حوثي، من جهة، والشعور بتلك السعادة الدامية إزاء اتساع رقعة سيطرة الحوثيين في اليمن من ناحية ثانية، عوالم من الاختلافات يلحظها كل من لا تشمله الفئات الثلاث المذكورة أعلاه.

بين الأمرَين فارق يدركه أي مواطن عربي "طبيعي"، غير معبّأ عروبياً بالضرورة، بل يكفي أن يكون حسن النية وصاحب أدنى حدّ من المنطق السليم ومن معرفة ألف باء التاريخ، لكي يتيقّن، بعد كل ما حصل، أن حكمة الحرب اليمنية تخلص إلى أن لا حلّ ممكناً بغلبة عسكرية لأي من المعسكرات العديدة، بل بتسوية وتنازلات تاريخية متبادلة تمحي تدريجياً أثر انقلاب عبد الملك الحوثي بمعية علي عبد الله صالح، وكذلك انقلاب الإمارات، وجرائم القيادة السعودية، وفظاعات حرب أهلية ــ إقليمية لا فائدة، اليوم على الأقل، في توزيع نِسَب المسؤوليات عن أكلافها الفظيعة. 

أما الرقص فوق القبور في كل مرة يحتل فيها الحوثيون، بسلاح وتدريب وتمويل وتعبئة وغطاء وأمر من حكام إيران، مناطق يمنية جديدة، فهو لا يقل ذنباً عن فداحة الجرائم السعودية المتواصلة على أرض هذا البلد، هذا بالنسبة لأي "بني آدم" لا يزال معنياً برؤية يوماً ما، يمن "معقول"، أي بلد بلا حرب وبلا ديكتاتورية من أي نوع كانت، يحق له أن يبقى موحّداً بشكل إرادي، وعربياً بحكم هويته ولغته وثقافته على الأقل، محكوما بجغرافيا وتاريخ يفرضان عليه تسويات صعبة ولا بد منها لاتقاء شرور الجارين الكبيرين، وشياطين صغار يتقنون القتل باسم الأخوة.

النكاية السياسية التي تُترجم بالجملة في تعليقات ومقالات وتقيؤات على هيئة تصريحات وتغريدات على "السوشال ميديا"، في كل مرة تسجل فيها إيران تمدُّداً في اليمن، لا تفعل إلا مزيداً من تعميق الكارثة المزدوجة: إنهاء بلد عربي إضافي، وتذويبه في هوية نظام إيراني طائفي استعماري لا يشبه اليمنيين ولا يشبهونه. 

أما وأنّ الغرور السعودي يتعاظم، وفائض القوة الإيراني يتّسع أفقياً وعمودياً، وخبث القيادة الإماراتية يجد مساحات خالية في ظلال الحرب السعودية ــ الإيرانية بالوكالة، فستبقى النكاية تزدهر على حساب أمل انتهاء الحرب يوماً ما، والذي لا تفعل الأيام إلا تضييق مساحته.

*مقال للكاتب في موقع العربي الجديد


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك