دور يليق بتعز


بينما تتضرع سلطة صنعاء ربيبة انقلاب 21 سبتمبر إلى المجتمع الدولي شاكية الحصار الذي تضربه قوات الحلفاء على المياه والأجواء اليمنية, تفرض هي حصاراً مميتاً على مدينة تعز وريفها, يضع ملايين السكان في المحافظة الأكثر كثافة سكانية في دائرة الهلاك.


وبلغ الحصار الذي تضربه قوات الرئيس المعزول علي عبدالله صالح وعبدالملك الحوثي مستوىً مريعاً خلال الأسابيع الأربعة الأخيرة.
فقد روى شهود من أهالي المدينة التي يدور قتال في شوارعها منذ أبريل الماضي حالات مختلفة يشتمل عليها الحصار الخانق.


وقال شهود إن قوات صالح والحوثي التي تعسكر في مدخلي المدينة الشمالي والغربي احتجزت مراراً شاحنات صغيرة محملة بخضار ولم تسمح بمرورها إلا بعدما عطبت.


يضيف شهود أن تلك القوات تصادر الأدوية والأغذية التي يحاول سكان المدينة جلبها وتفرغ إسطوانات الغاز المنزلي في الهواء.


وتحاول قوات نظام 21 سبتمبر منذ ثلاثة أسابيع التقدم إلى المناطق التي يمر منها الطريق الرابط بين تعز ولحج كي تفرض حصاراً على المنفذ الوحيد الذي مايزال متاحاً أمام حركة شديدة التقييد من "اللجان الشعبية" الموالية للرئيس عبدربه هادي خشية تسلل عناصر تابعة لصالح والحوثيين إلى عدن وباقي المدن الجنوبية.


وبعدما انهزمت قوات صالح والحوثي أمام قوات الحلفاء العرب وهادي في المحافظات الجنوبية ومارب, لجأت إلى تشديد حصارها على تعز, طمعاً في السيطرة على عاصمتها أو إجبار المقاومة الشعبية فيها على الاستسلام لتحقيق نصر في معركة واحدة, تستميت بغية إحرازه منذ سبعة أشهر وتلقت بدلاً عنه هزائم متعاقبة.


وربما استشعر نظام 21 سبتمبر عزم الحلفاء على تدخل بري في تعز, مستدلاً بتكثيف الضربات الجوية في ساحل المخاء وتقدم قوات هادي حتى منطقة ذوباب بعدما طردت قوات صالح والحوثي من قبالة باب المندب فخطط لاستباق الموقف بالتوغل في أحياء المدينة للتدرع بالمدنيين لتصعيب مهمة استردادها.


كذلك يهدف تشديد الحصار على تعز إلى فض الالتفاف الشعبي حول المقاومة التي تقاتل داخل المدينة بعتاد متواضع وذخيرة شحيحة, وذلك بإيصال رسالة إلى مواطني المحافظة بأن إسنادهم للمقاومة هو الذي جنى عليهم هذا العقاب الجماعي وأن رفعه مشروط بتخليهم عنها.


وطاش عقل نظام صنعاء أكثر إثر عجز قواته عن تحقيق تقدم يُذكر بعدما جهز حملة عسكرية ضخمة للهجوم على المدينة في يوليو الماضي عقب إحراز المقاومة تقدماً ميدانياً لافتاً, اصطدم بعوامل سياسية ولوجستية حالت دون اكتماله.


ولقد بلغ حرص المسلحين على إطباق الحصار على تعز أن تبولوا في صهاريج المياه المحمولة على شاحنات كانت في طريقها إلى المدينة ليقطعوا الطريق على السكان الظامئين من اللجوء إلى شرب المياه غير المخصصة للشرب طبق ما ذكر سكان محليون.


صورة مكثفة للمقاتل الحوثي وقد تجردت من كل تمظهراتها المتكلفة وعادت إلى جوهرها الخالص في مزيج من الكاريكاتورية والتراجيدية: قاتل رث منبوذ في أطراف المدينة ويتبول في المياه ليقتل المدنيين المحاصرين عطشاً هذه المرة بعدما سئم من قنصهم بالذخيرة.


في المقابل, تملأ تعز مقامها الذي انتخبه لها التاريخ السياسي الوطني واصطفاه لها الوجدان الشعبي باقتدار باهر وصبر جميل, رابحة الرهان الوطني عليها ومبرهنة على أن الأحاديث الكثيرة بحقها لم تكن لغواً أبدا.
على أن مبعث كل هذا الغيظ والانتقام عند علي صالح وعبدالملك الحوثي من المكان الذي لطالما شعشعت منه رسالة التعايش وتمجيد قيمة العمل والنضال السياسي السلمي هو انفجار مقاومة منه بكل العنفوان والفولاذية اللذين أعييا جهد الغازي وعطلا تفوق آلته الحربية.


ذلك أن نهوض مقاومة بالشراسة التي تبدو عليها في تعز يجرح كبرياء الغازي المزعومة ويمرغ غروره , مثلما يدحض ادعاءه أن فن الحرب مهارة مقصورة عليه, أكثر مما تفعله به مصارع مقاتليه ورقم النعوش الذي يتنامى باطراد.


إذن, في تعز هناك معركة بين إرادتين ورسالتين نقيضتين, الأمر الذي يكسب المقاومة ذلك التصميم الجبار على المجابهة وينفخ في الغازي ذلك الإصرار على نيل لعنة أبدية دائماً ما وصمت جيوشاً محتلة حاصرت مدناً, فأحنى التاريخ سيرته الممتدة لتلك المدن تعظيماً وعرفاناً وقذف بالمحتلين في جحيمه أو نفاياته.


ولم يكن من بد لهذا الصراع بين الإرادتين والرسالتين إلا أن ينفجر بصيغة المواجهة المسلحة بعدما عجز المعسكر الساهر على المشروع القديم عن سد المنافذ أمام المشروع الجديد كما ظل يفعل على مدى عقود طويلة.
وما تعز الواقعة في قلب هذا الصراع إلا بؤرة يتجسد فيها وطن كامل, يخوض صراعه الجدير مع أوليجاركية فاسدة وسفاحة.
والخليق بالأكثرية الشعبية أن تقبل على هذا الصراع بمعنويات عالية وبشوق مقصي تاريخي واتته فرصة ذهبية لإطاحة مستبده وغريمه, وأن تخوضه حتى النهاية دونما تذمر أو انكسار, إذ هي في الجبهة الصحيحة وعلى الطريق الذي يوصلها إلى مكمن مصالحها.


فالصراع الراهن يمنح الأكثرية الشعبية واحدة من الفرص التاريخية لمغادرة الهامش الذي أزاحتها إليه الأقلية المتغطرسة والدخول إلى ساح مصالحها للإسهام الحقيقي في صناعتها ثم حمايتها.


أما العزوف عن الصراع بدعاوى مختلفة فحالة سلبية, يقصي بها الشعب نفسه مجدداً ويدع للآخرين من الأعداء أو الذين التقت مصالحهم مع إحدى مصالحه تقرير مستقبله, مكتفياً بالفرجة.
كانت ثورة فبراير الشعبية السلمية في 2011 ومن قبلها الانتفاضة الجنوبية التي انطلقت عام 2007 قد منحتا الفرصة الأولى للغالبية المهمشة لخوض صراع مباشر في سبيل مصالحها, لكن نظام الأقلية المتسلط كان ما يزال على درجة من التماسك مكنته من تقليل آثار تينك الهزتين الكبيرتين على مستقبله ومصيره.


وهو بحروبه الإجرامية الحالية إنما يواصل الذب عن مصيره, ولما جاء التحدي هذه المرة عالياً ومصمماً على اقتلاعه فقد اضطره إلى الإفصاح عن روحيته الدموية.


بمستوى آخر أكثر تركيزاً في السياسة, كان مركز علي صالح بعد 2011 أكثر دينامية وابتداعاً من خصومه السياسيين المؤتلفين حينذاك في اللقاء المشترك, إذ اجتذب الجماعة الحوثية إلى معسكره فأعطى ذلك الصراع السياسي دفعة كبيرة إلى الأمام جعلته في أكثر جولاته درامياً وعجلت بحسمه لمصلحة صالح وحليفه الأصولي الجديد.


فعلاوة على أن الحركة الحوثية خلصت صالحاً من إشكال الواجهة وعدم جرأته على العودة إلى السلطة بوجهه الصريح فهي حقنت الصراع بعنصر السرعة التي من فرطها بدا الصراع نفسه عجولاً كما لو أنه أحد الأطراف المصطرعة.
ومرد ذلك أن الحركة الحوثية أقبلت على الصراع بطاقات مختزنة جامحة لما تُستهلك بعد ومصالح واضحة لديها, فضلاً عن أنها أنعشت مركز صالح وأضفت عليه الحيوية التي كان فقدها نتيجة استهلاك وجوه رجالاته وتكرار أساليب عملهم.


في الواقع وبدقة أكثر, صالح هو من جدد مركزه بهذه الإضافة التي استقطبها وجاءت متطابقة مع تركيبة مركزه مناطقياً وطائفياً وتماثلاً في المصالح والمطامح.
وانطوى ذلك التجديد من صالح على أسلوب ماكر, ربط مستقبل الرئيس المعزول بمستقبل القبيلة والمذهب السائدين في أقصى الشمال وذلك بضربه على وتر حساس لديهما بزعمه أن مقررات الحوار الوطني وقبلها ثورة فبراير يرومان الانتقام منهما وعزلهما.


ليس خافياً أن صالح أفاد من سياسات رعناء لسلطة ما بعد 2011 التي وإن كان يشغل نصفها غير أنه تقمص بفهلوة معهودة منه دور المعارض لها واستغل بيقظة المتربص إخفاقاتها والتهاءها عما كان ينبغي لها فعله.


ويترقب كثيرون تفجر الصراع بين صالح والجماعة الحوثية حينما تبدأ مصالحهما في الافتراق, لكن هذا التقدير يبدو هشاً ومستبعداً أيضاً لقدرتهما على اقتسام الغنيمة والنفوذ بمرونة.


يستند القول بذلك إلى أن العصبية التي وحدتهما للقتال سوياً ضد نظام ما بعد 2011, ينضوي في إطارها جمهور متناغم في أنماطه الثقافية وعلاقاته الاجتماعية إلى حد أن ما سيذهب من المكاسب إلى أتباع أحدهما سيفيد أتباع الآخر بطريقة ما, من منطلق أن العصبية الجامعة لهذا الجمهور هي طائفية وجهوية وقبلية.


في الضفة المقابلة, استسلمت علاقات المشترك للاضمحلال متأثرة بعوامل لم تكن جميعها موضوعية.


وليست الثغرة الأساسية في انسياق أحزاب المشترك وراء رغبة الانفراط, فالافتراق جزء من طبيعة الأحلاف السياسية إذ لا يدوم أي ائتلاف سياسي إلى ما لا نهاية, لكن توقيت الانفراط وافق مرحلة شديدة الحساسية ثم إن تلك الأحزاب أقدمت على الافتراق وهو العملية الأكثر سهولة في علاقات الأحلاف السياسية دون أن تفكر في صيغة تحالفية بديلة تتفادى الأخطاء التي رافقت أداء المشترك.


والصراع العنيف المحتدم غير اختياري بل محتوم وهو تتويج لصراع مزمن, لكن ما يميز حلقته الحالية هو العنف الذي اعتادت الأقلية المستبدة أن تقحمه في المسار السياسي للسيطرة على القوى الشعبية كلما شعرت أن امتيازاتها اللامشروعة وهيمنتها عرضة لمراجعات وأسئلة تحاول تهذيبها على الأقل.


وسيتضح بتتبع كل الحروب الداخلية التي اندلعت خلال حقبة نظام صالح أن مبعثها في كل مرة كان الاقتراب من مصالح تلك الأقلية ومشروعها.
هكذا ستبدو الحروب، وهي على هذا النحو، تتويجاً لجولات من صراع أوسع بين أقلية مستغِلة وأكثرية مستغَلة محرومة تحاول في كل مرة تلمس سبيل يوصلها إلى التحرر من تسلط الأقلية فتصطدم بالحرب مسلطة على حلمها.
وهذا ما يفسره توصيف الحرب الجارية بأنها تدور على أساس سياسي واجتماعي لا على خلفية طائفية أو جهوية, لكنها تتطبع بتلك الصبغات بقدر ما يفزع أي من أطرافها إلى الطائفة أو المنطقة لتجنيدهما في الحسم.


هي حرب ذات أساس سياسي لأن اعتزام إعادة بناء الدولة وتوزيع سلطاتها مسً حراس المشروع القديم بالجنون فأضرموا الحرب, لتثبيت تركيز السلطات, وهي حرب ذات اساس اجتماعي لأن الطبقة الاجتماعية التي سخرت السلطة لمراكمة مصالح ذاتية ضخمة استشعرت الخطر على مصالحها في حال إعادة توزيع السلطات فاعتضدت مع نخبتها السياسية وشنا الحرب معا.


وفهم الصراع على هذا النحو الشامل هو المدخل إلى إكساب المقاومة الشعبية الوطنية مشروعاً سياسياً يمكنها من تجاوز الانحباس في دائرة العمل العسكري فقط.


فأي عمل مسلح دون مشروع سياسي أو اجتماعي معرض للانحراف ويسهل إفراغه من مضمونه واختراقه, وإن لم يحدث ذلك فالعمل العسكري المجرد يساوي بين مكاسبه الميدانية وخسائره مهما كسب, إذ تشكل الجغرافيا التي يكسبها عبئاً عليه في ظل خلوها من قاعدة شعبية تؤيده.


وتاريخ الكفاح المسلح مزدحم بأمثلة ساطعة على إخفاق الحركات التي حملت السلاح وأغفلت عاملي المشروع السياسي والقاعدة الشعبية في مقابل نجاح كبير لحركات التحمت بالسكان وقدمت نفسها لديهم بديلاً أفضل من السلطات التي تجابهها.
عن صحيفة الثوري


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك




صفحاتنا على الشبكات الاجتماعية