مأساة "جنيف" وملهاته

لم يكن في وسع لقاء جنيف أن يحرز أكثر مما انتهى إليه من إخفاق ذريع, استناداً إلى الإرهاصات التي سبقت التئامه واتسمت بقدر كبير من التعقيدات والمبارزات السياسية والإعلامية المستثيرة لمزيد من التصلب.


فقد تضاءلت النتائج المرجوة من المحادثات المدعومة من الأمم المتحدة على نحو مطرد وتنازلي؛ فمن التعويل عليها في وضع حد للحرب الأهلية المستعرة إلى إبرام "هدنة إنسانية" مدتها شهر من أجل السماح لمنظمات الإغاثة العاملة بإيصال مساعداتها إلى ملايين المدنيين المتضررين من الحرب أو العالقين بين خطوطها .


ثم تقاصرت طموح "جنيف" إلى ما دون ذلك كله ولم يتحقق منها إلا إن كان مندوبو الأطراف المتحاربة قد رأوا وجوه بعضهم في بهو المقر الذي ضم الاجتماع.


وفي موازاة ذلك, تتقاصر أماني المذعورين والمحاصرين إلى حد الرضا عن أن يخوض المتحاربون حربهم كيفما يشاءون لكن على رقعة مفتوحة, مساواة بباقي مناطق النزاع العنيف في العالم حيث الممرات الآمنة لفرار المدنيين والمنافذ المفتوحة لإدخال مساعدات لهم.


تتغول الحرب في دماء الملايين وحاجاتهم الملحة داخل نطاق جغرافي أغلقه المتحاربون على مواطنيه ثم أخذوا يديرون حرباً في الظلام, لا يسمع عنها العالم إلا فصلاً قصيراً ولا يرى منها إلا مظاهر مسلية من تلك التي تقدم دعاية جديدة لتكنولوجيا السلاح وبهلوانيات الصواريخ الذكية.


وعلى الرغم من إخفاق "جنيف" المرير, بيد أن ظلالاً من الكوميديا رافقته، نابعة في الأساس من السلوك الذي أبداه الوفد السياسي الممثل لجماعة الحوثيين والرئيس المعزول علي عبدالله صالح.


يشبه اختلال السلوك الذي أبداه مندوبو الجماعة الحوثية وصالح في جنيف ترجيع جوقة متخصصة في أداء زوامل حربية قاسية وفجأة أقحمت حنجرتها في أغنية جاز سويسرية على ضفة نهر الرون الذي تطل عليه مدينة جنيف فيمنحها قدراً من سحرها. 


وفد الحوثيين وصالح أدى دوراً بدائياً خارج سياق الزمان والمكان.


فبينما كان العالم ينتظر رؤية فريق من السياسيين والدبلوماسيين ذوي المراس السياسي الصعب, بدا أعضاء وفد الحوثيين وصالح مجموعة من الأجلاف الذين لم يتلقوا ترويضاً كافياً لإرسالهم إلى مقام بحجم البحث في مصير شعب يكتوي بنير الحرب ومكان مثل جنيف حيث روح التحضر ومقر الاتفاقيات العالمية المنظمة للتعاملات الإنسانية في السلم والحرب.


17 مندوباً يمثلون الجماعة الحوثية والرئيس المعزول علي صالح يصلون إلى باحة مقر التفاوض فيرفضون تسمية فريق مفاوض من سبعة أعضاء, وأحياناً يعتصمون في بهو المقر.


هذا حدث نادر لم يسبق تسجيله في تاريخ الدبلوماسية ومفاوضات السياسة وقد لا يتكرر!
في الواقع, توحي تلك التصرفات من هذا الوفد ببعض من طبيعة ما يفعله مقاتلوه الذين خلًفهم يعيثون دماراً في المدن؛ وتحديداً ذلك الملمح المتوحش والفوضوي.


يمكن بتوصيف آخر أكثر عملية, القول إن التعامل الذي أبداه وفد الحوثيين وصالح في جنيف تعبير دقيق عن تفسخ العمل السياسي وإعادته إلى أصل متحلل من التهريج والشعاراتية, هرباً من مواجهة الحقائق الماثلة في صيغة سياسية.


على أن صدم الحقيقة أو الاستحقاق السياسي بالاستخفاف والغوغائية هو أسلوب أصيل لازم سياسات علي صالح طوال فترة حكمه؛ فكلما كانت الأحداث تحشره في مواجهة استحقاق سياسي أو شعبي كان يلوذ بنعرة بدائية أو بتصرف غير معقول ينقله دفعة واحدة من مواجهة أسئلة الاستحقاق الجادة والتزاماته الواقعية إلى طور هازل ينصرف فيه اهتمام من كانوا مشغولين بالقضايا العامة إلى التلهي بالصخب المصاحب لتلك النعرة.


والأسلوب هذا يندرج أيضاً في صميم سياسات الحوثيين بما ينطوي عليه من وصفة ملائمة تماماً لإنفاذ إحدى سياساتهم الأساسية التي عمادها مواجهة المعقول باللامعقول.. وبدون تكلف التهذيب: أسلوب الإلحاح في الكذب إلى حد تغدو معه مدينة عدن التي لطالما رمزت للدعة والتعايش معقلاً لتنظيم داعش وبؤرة للإرهاب.


ولقد شكلت هذه السياسة حجر أساس في بنية نهج الجماعة الحوثية منذ صعودها, إذ عبر قادتها, بمخيلاتهم, المحيط الأطلسي لينتقوا عدواً لجماعتهم اسمه الولايات المتحدة الأميركية.


فليس أفضل من الولايات المتحدة لتلبية صيغة اللا معقول في مواجهة المعقول, فبتنصيبها عدواً للحوثيين في ذهنية الرأي العام المحلي وأتباع الجماعة خاصة، تبرز معادلة اللامعقول بجلاء: القوة العالمية الأولى تعادي جماعة عقائدية صغيرة ليس معلوماً أي قبو يؤوي قادتها في أقاصي الجنوب الفقير المسحوق.


وحيال ذلك, سيتعين على الفريق الأممي في حال نجح في جمع الأطراف اليمنية مجدداً أن يصوغ مدونة سلوك ملزمة ليتقيد بها أعضاء أي وفد مقبل للحوثيين وصالح قبل التفكير ببحث قضايا الصراع الرئيسة.


فمثل تلك التصرفات العابثة المستجَرة من عهود ما قبل السياسة هي أسوأ ما قد يُبتلى به وسيط أممي في القرن الحادي والعشرين, لا يريد أن يبدو فاقداً للصبر أو ذا نفس دبلوماسي قصير.


من جهة أخرى, يسلط الإخفاق الذي باء به لقاء جنيف الضوء على جانب من قدرات الوسيط الأممي إسماعيل ولد الشيخ الذي تعد الأزمة اليمنية أول ملف سياسي بهذا التعقيد يقع في متناوله بعدما قضى مسيرته الأممية السابقة كلها في شؤون الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان.


فمع ما يظهره الرجل من الكفاءة العملية والدأب, لكنه يفتقر إلى البراعة والحنكة السياسيتين اللتين غالباً ما تحلى بهما الوسطاء الأمميون ممن أُسندت إليهم ملفات أزمات سياسية كبيرة في العالم.


إضافة إلى ذلك فهو يعمل تحت ضغط الوقت والتطلع إلى تحقيق إنجاز سريع, الأمر الذي أسهم في طبع قيادته لتحضيرات المحادثات بالارتجال كما في المرة الأولى التي تعثر انعقادها وبقصور التصور كما في المحادثات الأخيرة التي لم تسفر عن تقدم يذكر. 


ولعله كان من السابق لأوانه أن يسند أمين عام الأمم المتحدة ملفاً يتسم بالتعقيد كالملف اليمني إلى ولد الشيخ الذي يتصدى أول مرة لقضية سياسية شائكة.


غير خافٍ أن الأزمة اليمنية تحمل تعقيداتها في طبيعتها وجموح أطرافها المتحاربين, ما يعرض أي مبعوث أممي، مهما امتدت خبرته وتجلت قدراته, للتعثر لكن ليس إلى الحد الذي بدا عليه الحال في جنيف من عجز مبدئي في ضبط أساسيات اللقاء.


وسيكون علينا أن نلمس إخفاق جنيف في وقائع على الأرض, سواء في احتدام القتال أو تغيير وظيفة الغارات الجوية التي تقودها السعودية ضد قوات صالح والحوثيين أو زيادة وتيرة تدريب قوات يمنية وتجهيزها لخوض حرب برية.


يمكن صياغة الشاغل المحوري للأطراف كافة بعد إخفاق الجولة الأولى من المحادثات في سؤال عماذا بعد جنيف؟
واضح أن السعودية ومن ورائها سلطة هادي من جهة وتحالف 21 سبتمبر بقيادة صالح والحوثي من جهة ثانية يرغبون في ترك الكلمة الفاصلة للميدان، مدفوعين بآمال تحدوهم جميعهم بحسم الصراع خلال أقرب فرصة.


وقد كان بادياً أن هذين الطرفين ذهبا إلى جنيف على مضض، بعدما تعرضا لضغوط دولية، إذ هما لا يريان حاجة لخوض مفاوضات في الوقت الراهن.


فالمملكة السعودية وهادي يريان أن الأمر لا يتطلب أكثر من أن يرغم المجتمع الدولي صالحاً والحوثيين على تطبيق قرار مجلس الأمن 2216 القاضي في جوهره بسحب قواتهما من المدن وتسليم العتاد العسكري الحكومي إلى السلطات الشرعية.


كذلك يرى تحالف صالح والحوثي إجراء محادثات بين الأطراف المحلية ترفاً لا حاجة إليه بقدر ما هي الحاجة ملحة إلى مفاوضات مع السعودية التي تشن حرباً في الأراضي اليمنية، متعامياً عن حربه التي يشنها هو ابتداءً على المدن الحضرية ومظاهر الحياة كافة في البلاد.


وثمة طرف ثالث هو المؤمن بضرورة الحوار من أجل وقف الحرب الداخلية والخارجية والعودة إلى العملية السياسية, لكن هذا الطرف يجد صوته يتشتت بين دوي المدافع. وعدا ذلك هو لما يكتسب شخصيته الكاملة بعد.


ينضوي في هذا الطرف الحزب الاشتراكي اليمني الذي يتزعم محاولات لرسم شخصية الطرف الثالث, إضافة إلى التنظيم الشعبي الناصري والتجمع الوحدوي اليمني واتجاه في اتحاد القوى الشعبية إلى جانب منظمات مدنية مناهضة للحرب.


لكن "الطرف الثالث" سيجد صعوبة كبيرة في إسماع صوته من موقعه المنزوي خارج ساحة الصراع السياسي الاجتماعي المتفجر في صيغة عنف مسلح، أو بمجرد توقفه عند إدانة الحرب والدعوة إلى وقفها مع عزوفه عن مقاربة هذا الصراع في أي من جوانبه المختلفة.


علاوة على ذلك, تعوز هذا الطرف في الوقت الحالي أدوات تحريك الواقع من حالة الحركة إلى حالة السكون أو العكس. وهي راهناً أدوات القوة المحضة التي يحوزها تحالف صالح والحوثي وتحالف هادي والسعودية.


وكذا هو يفتقر إلى الشعبية العريضة المنظمة التي في إمكان جمهورها التحرك لفرض حالة جديدة يتصدرها السلم, على الرغم من أن ملايين المواطنين يتطلعون إلى بروز نصير يقود آمالهم, لكن أطراف الكتلة الثالثة لم تشتغل بالتنظيم في صفوف الجماهير وحصرت نشاطها كليةً في العمل السياسي الفوقي.


لذا فاقتصار الطرف الثالث على الدعوة النظرية إلى وقف الحرب، دون التحرك لتدعيم دعوته بمؤثرات ميدانية أو حساب أين تكمن مصلحة مشروعه من وقف الحرب وانتقال أطرافها إلى السياسة بالثقل ذاته الذي هي عليه في الصراع المسلح يُبقي تلك الدعوة مجرد عظة أخلاقية، لا تملك تذكرة العبور إلى عالم السياسة.

 

 


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك