مارب: معركة الدم والنفط

دخلت الحرب السعودية الخليجية في اليمن منعطفاً حاسماً, لا يبدو أنه يتسع لغير الحسم العسكري بعد مقتل 60 عسكرياً خليجياً بهجوم صاروخي استهدف معسكراً لهم في مارب يوم الجمعة الماضي.

 

فقد سقط 45 عسكرياً إماراتياً و10 سعوديين وخمسة بحرينيين حين ضرب معسكرهم صاروخ من طراز توتشكا الروسي, أطلقته قوات صالح والحوثي على ثكنة لهم في منطقة صافر النفطية حيث تعسكر قوات الحلفاء استعداداً لمعركة مارب والجبهة الشمالية.

 

وهذا أكبر عدد من العسكريين الخليجيين يلقون حتفهم في هجمة واحدة منذ التدخل العسكري في اليمن بقيادة السعودية أواخر مارس الماضي.

 

مع أن حدثاً مثل هذا متوقع تماماً خلال الحروب, حتى مع العدد المرتفع من القتلى, لكن لأن غالبية قتلاه عسكريون إماراتيون فهو ما يجعله ذا مغزى مميز.

 

ففي الإمكان قول إن الرئيس المعزول والحوثيين قدموا صنيعاً جيداً للرئيس عبدربه منصور هادي وقوى المقاومة الشعبية حين أصاب صاروخهم الإماراتيين في مقتل, إذ من شأن ذلك أن يغير من قناعات صانعي السياسة الإماراتية بالاقتصار على إبعاد صالح والإبقاء على منظومته من أجل الحفاظ على توازن قوى يمنع استفراد قوى غير مرغوبة بالمشهد السياسي لاحقا.

 

وفي الوقت الذي بدت مواقف السعودية وقطر والكويت محسومة بشأن إنهاء مستقبل صالح السياسي وقوته العسكرية, ظل الموقف الإماراتي غائماً وموارباً حيال هذه المسألة.

 

لم يكن الإماراتيون ليفعلوا ذلك أملاً في مصالح يرجونها من صالح الذي يدركون أنه لم يعد رجل المستقبل في اليمن بل لإبقائه عامل تماسك, تتكتل حوله القوى التي تشكل مصدر توازن لمنع هيمنة القوى غير المرغوب بها على القرار سواء حزب الإصلاح أو حتى الرئيس هادي.

 

أجل.. الرئيس هادي! ويجب ألا يكون هذا مستغرباً, فما من دليل يثبت أن الإمارات قد اطمأنت إلى أن الرئيس سيمكنها من كل المصالح التي تطمح إلى أن يحققها اشتراكها في التدخل العسكري, خصوصاً ومصالحها الأكثر وضوحاً في اليمن محط تزاحم وتنافس دولي وإقليمي مما يتيح لهادي خيارات متعددة.

 

ففي فترة رئاسته الانتقالية, انتزعت الحكومة رخصة تشغيل ميناء عدن من إمارة دبي قبل أن يعهد هادي إلى الصين بتطوير الميناء الذي يعتقد الإماراتيون أن دوام ازدهار مينائهم مرهون بحالة ميناء عدن.

 

ليس هذا فحسب, فحلم القوة الإقليمية الذي داعب عقول حكام قطر وبلغ ذروته مع دعمهم الصريح لانتفاضات الربيع العربي التي اندلعت في 2011 قد انتقلت عدواه إلى حكام الإمارات الذين رعوا مع أمراء السعودية موجة الثورات المضادة التي طوحت بقسم كبير من التغييرات التي كانت ثورات الربيع قد أحدثتها بمشقة.

 

حتى خلال التدخل العسكري الراهن في اليمن, لا يبدو أن حكام الإمارات يرتضون بلعب دور أقل شأناً من الدور السعودي سواء في قيادة العمليات العسكرية وتوجيهها أو في ترتيب مشهد ما بعد الحرب.

 

ولربما بلغ اعتداد الإماراتيين بدورهم إلى التصور بأنهم يشكلون عقل العملية العسكرية في اليمن فيما تمثل السعودية عضلاتها انسياقاً وراء ظلال من الحقائق الخاصة بالإمارات كتميز نشاطها الدبلوماسي ومركزيتها المالية في المنطقة, إضافة إلى ما تمثله من ملتقى لمصالح القوى الكبرى في الإقليم.

 

وهكذا بقدر ما أضافت ضربة صافر نقطة لمصلحة صالح والحوثي في الميزان العسكري الآني فقد سحبت نقطتين من رصيد صالح السياسي والعسكري بعدما صنعت له ثأراً مباشراً مع النظام الخليجي الوحيد الذي لم يكن له ثأر مع الرئيس المعزول من بين الأنظمة المشتركة في عملية "إعادة الأمل".

 

فسياسياً وبدلاً عن أن الإمارات كانت ستدافع عن إبقاء قوة صالح السياسية وإبعاده فقط عن الواجهة, من المرجح أن الهجوم الدامي سينسف ذلك الترتيب ويدفعها إلى الاستعاضة ببدائل أخرى.

 

وعلى المستوى العسكري, لن يجد الإماراتيون مفراً من الثأر لدمائهم وسحق قوة صالح والحوثيين العسكرية خصوصاً الصاروخية لما باتت تشكله من خطر حتى في حال تلقوا هزيمة مع احتفاظهم ببعض تلك الصواريخ الباليستية التي يعتقد أنهم نقلوا عدداً كبيراً منها إلى ريف صنعاء وعمران وصعدة.

 

وليس مستبعداً أن سلطة صنعاء تترقب عودة هادي وحكومته إلى الداخل لاستهدافهما بصواريخ مماثلة لذلك الذي استهدفت به منطقة صافر.

 

يتعاظم خطر بقاء صواريخ باليستية في حوزة صالح والحوثيين كلما تبين أنهم لن يتورعوا عن إطلاقها على أي من مدن البلاد.

 

من جهة أخرى, يفترض أن هجوم صافر الدامي أفاد المقاومة الشعبية, تأسيساً على أنه قد أعاد رسم صورة الخصم الذي تقاتله المقاومة ومدى قدراته العسكرية والتسليحية لدى الساسة الخليجيين وقادة الحملة العسكرية في اليمن.

 

فكثيراً ما ظهر محللون عسكريون خليجيون على محطات التلفزة الإقليمية ليذكروا اليمنيين بأكثريتهم المناهضة للحركة الحوثية في مقابل أقلية الحوثيين ويلقوا باللائمة على هذه الأكثرية حين يحرز الحوثيون تقدماً ميدانياً لعدم انخراطها في المقاومة المسلحة.

 

بجهل بموازين القوة العسكرية وجهل ثان بطبيعة الحرب الدائرة, لطالما افترض هؤلاء المحللون المواجهة كما لو أنها تدور بين كفتي ميزان, في الأولى أكثرية سكانية مجردة وفي الثانية أقلية سكانية مجردة.
ومن ثمً ترتسم علامة تعجب كبيرة في أذهانهم حيال تغلب الكثافة السكانية القليلة على الكثافة السكانية الكثيرة.

 

ولم يكن أولئك المحللون لينتهوا إلى هذا الإشكال العقلي لو أنهم انطلقوا في تحليلاتهم العسكرية من أن قوات صالح والحوثي تقاتل بترسانة تكدست في مستودعات الجيش على مدى أربعة عقود في جمهوريتي الشمال والجنوب وتلقت قوات صالح تأهيلاً عالياً سخر له النصيب الأوفر من الموازنات الحكومية فيما تلقى المقاتلون الحوثيون تأهيلاً قتالياً على أيدي عسكريين من دول ومنظمات عسكرية إقليمية تدعمهم.

 

لذلك ينبغي لهجوم صافر الصاروخي أن يحمل صانعي السياسة الخليجيين على الموازنة بين متطلبات الميدان الضرورية والحسابات الخاصة بالمستقبل السياسي اليمني.

 

ويبرهن الهجوم في أحد مؤشراته على فداحة الكلفة البشرية التي قد يتعين على قوات الحلفاء نزفها في التضاريس الوعرة والمجاهيل اليمنية إذا طال أمد العملية العسكرية البرية مما يوجب على قادتها إيلاء عامل الزمن أهمية كبيرة مع إمداد المقاومة الوطنية الموثوق بسلامة سلوكها بالعتاد الكافي.

 

فلقد أثبت خيار إمداد المقاومة بعتاد متطور وتدريب أفرادها فاعليته وأفضليته على خيار تكثيف الضربات الجوية التي أخفقت حتى الآن في تدمير الصواريخ الباليستية وضرب إمدادات صالح والحوثي المرسلة إلى الجبهات, فضلاً عما توقعه من أعداد كبيرة من القتلى بين المدنيين الأبرياء وتدمير مبالغ فيه للبنى التحتية والممتلكات الخاصة.

 

كذلك أدى توجس الحلفاء إزاء قوى المقاومة المأمون جانبها وتقتيرهم في دعمها بالعتاد إلى ترجيح كفة القوى المتطرفة التي تقاتل في الميدان بسبب جاهزيتها بالمال والسلاح مما يفرضها معضلة مستقبلية سيكون من الصعب القفز عليها, وحينئذ سوف يتبين للحلفاء كيف أن مبالغتهم في تغليب مخاوف السياسة على متطلبات الميدان قد عاد بنتائج عكسية.

 

وإذا كانت معركة مارب المرتقبة تعني للخليجيين ثأراً لدمهم الذي أريق في صحراء صافر فهي عند علي صالح معركة خالصة من أجل ثروته.

 

فانتزاع مارب من سيطرة صالح يعني في أخطر دلالاته للرجل طرده من جنة النفط التي يعتصر عائداتها منذ ثلاثة عقود. وهذا خطب كاف لإثارة جنونه وهلعه ثم الدفع بكل أسلحته للقتال دونها.

 

فبعد طرده من محافظات الجنوب, بات ثابتاً لدى الرئيس المعزول أن مربعات النفط التي يتقاسم عائداتها مع أقاربه ورجالاته في مارب هي معركته الخاصة وقد لا يمانع أن تكون معركته الأخيرة.

 

ولا بد هنا من استحضار صورة تاريخية لصالح تعود إلى عام 1984 وهو يدير محرك مصفاة نفطية إيذاناً ببدء الإنتاج النفطي من أول بئر في صافر.

 

تتكفل سيكولوجية الدكتاتور –وصالح عينة مثالية - بتحويل صلته بأي مشروع كبير إلى علاقة ملكية خاصة, لا سيما إذا كان المشروع اقتصادياً يدر ثروة عليه فيوهمه أنه المعني الحصري باستغلاله والقتال ضد محاولات الفصل بينهما.

 

ويزيد من تحريض صالح على القتال دون نفط مارب مهما كان الثمن هاجس الخوف من أن خصومه السياسيين والقبليين المشتغلين بتجارة النفط ينتظرون القضاء عليه ليرثوا مربعاته النفطية وشركات أقاربه العاملة في التوكيلات والخدمات النفطية. 

 

أما الجماعة الحوثية فهي ماكينة حرب وعضلات بلا عقل, الأمر الذي يفقد مبررات حربها في مكان ما دون غيره ثباتها النسبي إذ يبقى رفض التسليم بسلطتها المحرك الرئيس لحروبها. ومارب واحدة من المحافظات التي رفضت الانصياع لسلطة الجماعة.

 

بتقديرات عاطفية, ذهب محللون وسياسيون مؤيدون لصالح والحوثي إلى القول إن ضربة صافر ربما طوحت بخطة الحلفاء لاسترداد صنعاء وأنهت معركتها قبل أن تبدأ.

 

ومصدر هذا التقدير هو حماس مكثف حجب عن أصحابه حقيقة أن تلك الحادثة لا تشكل حتى معركة ضمن الحرب بقدر ما هي هجمة حظيت بتوفيق كبير تضافر مع خطأ تقدير الحلفاء لإمكانات قوات تحالف 21 سبتمبر.

 

والتقدير الواقعي هو أن هجوم صافر قد أعطى معارك جبهتي الشرق والشمال دافعاً إضافياً وبعداً أشد دموية تجلي في الغارات الجوية الضارية التي استهدف معظمها مواقع في العاصمة وأوقع قتلى مدنيين.

 

وحين كان مهندسو صاروخ توتشكا المصوب إلى معسكر الحلفاء في صافر يحضرونه للإطلاق إنما كانوا يمدون الحرب بالوقود اللازم لإشعال أوارها الذي أمل بعض المتفائلين في إمكانية أن يخبو.

 


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك




صفحاتنا على الشبكات الاجتماعية


-->