دعوا الثمار تنضج

ألقت التطورات الميدانية المتسارعة وتحركات الوسيط الدولي إسماعيل ولد الشيخ في أكثر من عاصمة عربية حجراً في مياه السياسة الراكدة منذ بدء الحرب في مارس الماضي.


وتتزامن تطورات الميدان والجهود الدبلوماسية مع مباحثات يجريها وفد من الجماعة الحوثية في العاصمة العمانية.


وجاءت الإشارة المهمة من وزير الخارجية السعودي عادل الجبير الذي قال إن الوسائل السياسية هي المخرج الوحيد من الأزمة اليمنية.


أضاف الجبير خلال مؤتمر صحفي في العاصمة الإيطالية يوم السبت الماضي أن للحوثيين دوراً ليلعبوه في المستقبل اليمني "لكن لا يمكن أن يكون لهم دور خاص أو تشكيل ميليشيات خارج إطار الحكومة". 


تصريح الوزير السعودي مفتوح على احتمالات عدة, فإما أنه تلميح إلى اقتناع السعودية بأن وقت الحل السياسي قد حان وهي مستعدة لدعمه أو أنه مجرد مواءمة دبلوماسية لتحركات المبعوث الأممي لخلق انطباع عن عدم تصلب الموقف السعودي.


وقد يكون التصريح بالون اختبار لرد فعل الحوثيين وصالح من أجل استقراء الحال التي باتوا عليها.


غير أنه سيكون من الصعب إحياء العملية السياسية في الوقت الذي بلغت الآلة الحربية ذروة نهمها مع إحراز قوات الرئيس عبدربه هادي والمقاومة الشعبية مكاسب ميدانية متوالية وانتظار قوات صالح والحوثي لكرًة جديدة تعيد فيها الاعتبار لباعها القتالي.


ومثلما كان متوقعاً في السابق إخفاق المحادثات السياسية في جنيف قبل إنضاج وضع ميداني, كذلك من المتوقع أن تصطدم المحادثات التي يجري التحضير لها بجموح قوة بدأت تتذوق طعم الانتصارات وقوة مقابلة تتمسك بمكاسبها الميدانية لتأمين أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية.


وحكومة هادي في المقابل لن تتوقف عند حدود ما انتزعته قواتها والمقاومة الشعبية من الأرض, إذ ذلك لا يكفي لأن يحولها من سلطة جزئية إلى سلطة عامة, فضلاً عن أن توقفها عند حدود المحافظات الجنوبية يعطي سلطة صنعاء سنداً دعائياً لتسويق أن هادي يسعى لإقامة دولة مستقلة على الرقعة الجنوبية.


وفقاً للأفكار التي ترتكز عليها محاولة المبعوث الأممي الجديدة لإحياء العملية السياسية, يضع ولد الشيخ عموميات عريضة تنتهي بوضع القوى السياسية على طريق العملية السياسية.


تبدو الأفكار بعموميتها وبساطتها ملائمة للتعامل مع نزاع ما زال قيد السيطرة أو أزمة سياسية تقليدية, وهي بذلك لا تستحضر على نحو كافٍ حدة منعطف 2015 بما هو منعطف تاريخي سيشق التاريخ اليمني المعاصر إلى حقبتين لا تشبه التي بعده ما قبله, عدا عن أنه اشتباك إقليمي مما لا يدع فرصة لمعالجته بإجراءات عادية أو تقليدية.


ولا تنفصل مقترحات الوسيط الأممي عن سياسة الأمم المتحدة في الحياد والنظر إلى الأطراف المتنازعة بعين واحدة مهما كانت متفاوتة في المسؤولية عن إشعال الحرب وما تخللتها من وقائع تتراوح بين جرائم حرب وانتهاكات إنسانية متنوعة.


فالأفكار التي يعمل ولد الشيخ على إقناع أطراف الحرب والأزمة ببحثها غايتها وقف إطلاق النار وتدارك الوضع الإنساني وصولاً إلى إحياء العملية السياسية انطلاقاً من حيث توقفت عقب انقلاب تحالف صنعاء على نظام ما بعد 2011.


أما ثغرتها الأساسية فهي أنها لا تطرق مبدأ مساءلة المتورطين في تفجير حرب ربيع 2015 المدمرة أو حتى معاقبتهم سياسيا.


الجيد في الأفكار الأممية السبع أن نحو نصفها مخصص لمعالجة الوضع الإنساني وهذا أمر في غاية الإلحاح والأهمية بعدما بلغ تردي الحالة الإنسانية مستويات كارثية ومحرجة للإحساس العالمي.


حتى إذا أخفقت الجهود الدبلوماسية الحالية في وقف القتال أو عقد محادثات سياسية فيكفي تطبيق النقاط الخاصة بالوضع الإنساني أولا.


بعدما تضع الحروب التي على شاكلة حرب صالح والحوثي الراهنة أوزارها, تتولى الحكومات التي تعقبها محاسبة المتورطين في تفجير الحروب واقتراف انتهاكات إنسانية خلالها, وكذا فرض إجراءات قانونية تمنع اندلاع الحرب مجدداً مثل حظر كل ما يشكل خطراً على السلام الوطني ويمجد العنف من مراجع أصولية أو أدبيات سياسية.


لكن الوضع المفترض تشكله في ضوء أفكار الوسيط الدولي سيفرز بالضرورة حكومات تضم القوى نفسها التي أشعلت حرب 2015, انطلاقاً من أن الأفكار ترى في تلك القوى طرفاً سياسياً في أزمة سياسية لا يمكن حلها بدون إشراكها في صناعة الحل ثم في الحكم, وفي الوقت ذاته لا تلزمها بالتحول من مجموعات تسلك العنف سبيلاً للسلطة إلى جماعات سياسية تعتمد التنافس الديمقراطي.


ومن شأن ذلك أن يكبل حكومات ما بعد الحرب ويسلبها القدرة على محاسبة المتورطين في شنها أو وضع تدابير قانونية تجفف منابع تغذية الحروب سواء كانت دينية أو ثقافية أو سياسية.


بجملة أخرى.. تضع الأفكار الأممية مرتكزات لوضع سياسي بخصائص وضع ما بعد 2011 الذي حمل عجزه في تصميمه النظري.


ومع أهمية الفكرة المخصصة لقضية الإرهاب, غير أن الأشمل والأحوط أن يقترن الإرهاب بالعنف السياسي فهجمات الإرهاب الأصولي وحروب العنف السياسي في البلاد, منذ عقد على الأقل, تبرهن على أن كليهما أعمى ودموي ويهدف إلى السيطرة على المجتمع بالقوة لإشباع شرهه إلى القهر والهيمنة.


ويجدر بالطبقة السياسية أو حكومات المستقبل استلهام تجارب الشعوب التي اكتوت بحروب فجرها طموح الفصائل المغامرة إلى السلطة بالقفز على قانونها.


من السذاجة, الاستبشار بتصريحات أو تلميحات من سياسيين في ائتلاف الحوثي وصالح بشأن استعداهم للقبول بحل سياسي على أساس قرار مجلس الأمن 2216, فهم قد باتوا في وضع لا يملكون معه سوى اللهاث وراء مخرج سياسي قبل أن يتردى وضعهم إلى مستوى يخسرون فيه ميدان القتال وطاولة السياسة.


ولم يعد الاهتداء إلى طاولة المحادثات ابتكاراً قيماً بعدما أفرغت الحرب شرورها, وكان ليكتسب قيمة لو أنه منع نشوبها. أما وقد بدأت السياسة تخترق المشهد الذي استفردت به الحرب فوظيفتها قراءة الفارق بين أن تلتقي أطراف الأزمة على مائدة الحوار وبين قدرة لقاءاتها على صنع تسوية قابلة للاستمرار ومنع تفجر المشكلات والحروب مجددا.


لذلك فالقيمة والأولوية، الآن, لسلب أدوات الحرب من أيدي قوى الحرب ووضع تدابير متينة تضمن عدم وقوع تلك الأدوات في متناولها مرة أخرى, سواء كانت سلاحاً أو أموالاً أو وسائل تعبئة إضافة إلى محاسبة قادة تلك القوى على مسؤوليتهم في إشعال حرب 2015.


ثم إنه ينبغي التمييز بين ما هي قوة سياسية يثبت سلوكها تسليمها بمبدأ التنافس الديمقراطي للوصول إلى السلطة ومن ثم استيعابها في شراكة سياسية وطنية وبين ما هي قوة عنيفة تعتمد العنف لامتلاك السلطة ومن ثم تدمير أدوات عنفها وحظر وسائل التعبئة التي تستقطب بها الأفراد إلى نهجها العنفي.


ولا بد أن يشمل هذا الفرز إعادة تقييم وتحريك للانطباعات الراكدة حيال الجماعات السياسية المنخرطة في العنف وتبني مراجعات قاسية بما من شأنه إحداث قطيعة مع المراجع الأصولية والثقافية المغذية للعنف الموصل إلى السلطة.


في هذا الإطار, ينبغي أولاً إعادة تعريف ائتلاف صالح والحوثي في ضوء ما خاضه كلاهما من حروب في سبيل السلطة بما فيها حرب ربيع 2015 ثم تحديد التوقيت المناسب للذهاب إلى محادثات مع جماعتيهما بعد تجريدهما من أدوات العنف, على أن تتمحور المحادثات حول وقف الحرب و معالجة الوضع الإنساني في المرحلة الأولى.


أما العملية السياسية فلا بد من تنقيتها من كل القادة المتورطين في شن حرب 2015, ثم وضع أسس نظرية متينة لاستئنافها.

 

وبتحرر أكثر من التلميح: يجب التريث في الاستماع إلى تحالف 21 سبتمبر والأولى هو الاستغراق في تدمير أدوات حربه وإفقاده القدرة على شن حرب في المستقبل أو اللجوء إلى العنف لتحقيق مكاسب سياسية.


فالقوة هي الدواء الشافي لكل المطامح العنيفة عبر التاريخ السياسي. وما من تنظيم عنيف في العالم قد لاقى ترحيباً في مسرح السياسة إلا بعدما ألقى أفراده السلاح وسلموا بالقانون الناظم لحيازة السلطة.


الحوثيون بدأوا في إبداء انفتاح خجول على الحل السياسي بعد اهتزاز الأرضية التي يقف عليها مقاتلوهم, لكن الإشكال يكمن في أنهم يريدون إخضاع ما ليس يخضع من القرارات الأممية لمزاجهم وانتقاء ما يروقهم من مضامينها ورفض ما يرون أنه يخصم من نفوذهم ومكاسبهم التي راكموها خلال ربيعهم العنيف.


والخطاب الحوثي بات يوحي بأن الجماعة العنيفة تبحث عن حل لكن ذكريات المنتصر التي ما تزال مسيطرة على قرارها, وافتقارها إلى خبرة سياسية كافية يحولان دون انطلاقها الجاد في هذا التوجه, بل دفعا بها إلى منتصف الطريق انتظاراً للتطورات في مسرح القتال لتقرر في ضوء نتائجها إكمال الطريق نحو الحل السياسي أو مواصلة القتال.


غير مستبعد أن هذه الحسابات هي المحرك وراء اشتراط الجماعة استئناف العملية السياسية قبل وقف الحرب, في مراوغة منها لتضمن مكاسب بالقدر الذي تريد اقتسامه لنفسها أو واصلت الحرب.


فهم يبدون إلى الآن رفضاً لركائز أساسية أقرها المجتمع الدولي لحل الأزمة بما فيها القرار 2216 واستمرار الحكومة في عملها.


كذلك يريد الحوثيون مساواة القوى التي شنت الحرب وهم أحدها بتلك التي حملت السلاح دفاعاً عن مناطقها وكرامة مجتمعاتها المحلية. ودغدغت الجماعة الحوثية مشاعر أنصارها بوعود كـ "الخيارات الاستراتيجية" وتشكيل مجلس رئاسي وحكومة لكنها تدرك أن ذلك لا قيمة له في ظل عدم اعتراف المجتمع الدولي بأي من خطواتها وهيئات سلطتها, ولذا سيخلصها أي حل سياسي من ذمة هذه الوعود الدعائية في الأصل.


أما علي صالح وجناحه المؤتمري فأسعفتهما الخبرة السياسية فيما يبدو وغلفا موقفهما بصمت مريب لحلفائهما وخصومهما.


مرة أخرى, لا بد من تسوية الأرضية جيداً لحل سياسي عادل وقابل للحياة لأن الاعتماد على ما قد تحقق في الميدان يشبه قطف الثمار نيئة.


والأحرى ترك الثمار تنضج.


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


-->