"تحت اللثام" .. قراءة في رواية

عن مكتبة مدبولي في القاهرة صدرت رواية "تحت اللثام" في 189 صفحة و 24746 كلمة بعثت الروح العظيمة "نور ناجـــي" ضوءها على حقبة شديدة الظلام وغاصت في عوالم خفية لا تصل إليها أعين البعض خوفاً وعيباً وهروباً من واقع يراد له أن يظل طي الكتمان.

"تَحْــتَ اللِثَــــام" ليست رواية عابرة، بل هي سردية تحليلية لشخصيات وواقع اجتماعي متخفٍّ تحت لثام العتم بعيداً عن أعين البسطاء والسطحيين وعباد الأصنام والمذاهب والخرافات والنصوص التي تمجد الكهنوت وتخلقه من العدم، وضعت الروائية اليمنية نور ناجي قلم الفسفور بين أناملها وراحت تضع به الخطوط على الزوايا الخفية في المجتمع، وشخصت علل الواقع المزري لجماعة كهنوتية تقدم نفسها اليوم على أسس أنها حامية حمى الرب، وجعلت من قطيعها أنصاره وشعبه المختار، كما فعلت على مر تاريخها الأسود سواءً في اليمن أو خارج اليمن.

يرى البعض أن الرواية جريئة ويصنفها تحت فئة ما بات يسمى بالأدب "الأيروسي" - نسبة إلى Eros إله الحب ومتعلقاته - وهي بالفعل جريئة في وصم واقع ما بعد انقلاب الهاشمية السياسية بالتحديد، وكثير من كتابنا وخاصة غير المؤدلجين يصفون هذا الانقلاب بالدعارة والخطيئة المنظمة وباغتصاب البلد، القاموس الشعبي لا ينتظر الأدب الرفيع ليُنعِم له خطيئة الانقلاب ويصفه بأحد "أطراف الصراع" فمثل هذا التوصيف الساذج قد ترك للأمم المتحدة وأمناء عمومها القلقين ولمبعوثيها صانعي الانقلاب وداعميه الحقيقيين.

جرأة تحت اللثام تمثلت في وصف كبير القادة العسكريين للانقلاب بالمطعون في رجولته وهذا يعد توجيهاً للتوصيف وتكثيفاً لقذارة الانقلاب السلالي، وهو أقل ما يمكن قوله في مثل هذه الشخصيات التي ساهمت في صناعة كل هذه الكارثة.

بدأت الرواية بحكاية الشابة اليمنية التي عاشت أولي سنوات عمرها حياة الاغتراب في بلد متخلف - يشبه خبت البقر- لم يسهم في صناعة أفكارها ولا في رسم مستقبلها ولم يساعد في تحريرها من خرافة التقاليد التي ستواجهها بعد عودتها معية أهلها من الغربة، هذه التقاليد هي من رمتها في حضن كهل لُكع يملك المال ولا يملك من أسباب الحياة التي تحلم بها "أمل" شيئاً، يريد المتعة من طفلة تنظر إليه باشمئزاز وتحتقر عاداته وتقاليده وماله، كما تحتقر فقر عائلتها التعيسة التي عادت بأكملها من الغربة بدون مال، وباعتها لهذا اللُكع الناقص مُحدث النعمة.

عالجت الرواية بأسلوب أقرب للواقعية معضلة زواج الصغيرات في بلد متخلف، والقصة تبدأ من التمايز الطبقي الذي تراكم منذ عصور الإقطاع، إلي أن أصبح واقعاً أليماً بعد حرب الخليج الثانية وعودة المغتربين بتخلفهم الذي اكتسبوه من بلدان غربتهم إلى بلدهم الطاردة للسكان، والتي لم تستقبلهم سوى بالنكران وبالمزيد من الفقر والحرمان والتخلف المضاعف والذي أنتج ما أسمي في تلك الفترة بزواج الصغيرات وتلاه الزواج السياحي، ولذا بعد زواج "أمل" الطفلة من الكهل الثري صاحب الجسد المترهل صبت غضبها على واقعها الجديد في اليمن "اللاسعيد"، نقلتنا الرواية بجرأة إلي واقع بيع الطفولة بسبب الفقر، ولم يكن لذلك الكهل أن يقترن بأحلام وردة لم يكتمل عودها ولم تتفتح بعد، وأنا أقرأ الصفحات الأولى من الرواية سمعت عبد الباسط عبسي يغني رائعته: "يا امه أبي باعني يا امه لدنيا العذاب".

مشاهد الصبية وهي تتعرف على الكهل ودقة الوصف في زفاف الطفلة لم ترسمها الكاتبة بالكلمات والاستعارات فقط بل رسمتها بكاميرا مخرج سينمائي وقربتها عبر نظام "فوكس زوم" لأقرب درجات الإبصار، أعتقد أن كل من قرأ "تحت اللثام" سيعيش هذه المشاهد كشاهد لا كمجرد قارئ عابر.

وأنت تشاهد هذه الفضاعة لن تر سوى خنزير يقترب من عصفورة صغيرة "بأصابع مرتعشة حاول نزع ثوبها، لكنها أوقفته: "تمهل"!.. أسقطت رداءها تحت قدميها بكل برود، ولم يبقَ غير الشفاف من ثيابها، لم يقوَ على الصبر، وقفز إليها بأصابع لزجة، ولعابه يسيل على أجزائها.. أخذ كل شيء عدا شفتيها، أبت أن يقترب منهما".. في هذا النص هناك تنفير من الجنس كلية فالمشهد موجع وأقل من أن يحرك الشهوة لدى المشاهد -القارئ- وهذا رد نصي موجه لكل من نظروا للرواية على أنها جريئة اقتربت من الجنس، والجنس من المحرم الخوض فيه في مجتمع لديه من التقاليد والأعراف ما يفوق كل الديانات التي مرت بها الأمة اليمنية عبر مراحل تاريخها الطويل.

تنقلت الرواية ما بين "أمل" القادمة من غربة الجسد خارج الوطن إلى غربة الروح وضياع الجسد في حضن كهل يشبه الخنزير بلزوجة طبعه وجسده، وما بين "نجلاء" التي تربت في بيت مقدس من بيوت الكهنوت وفي أسرة تظهر ما لا تبطن ويتعايش أفرداها مع حالة من انفصام الشخصية "schizophrenia" كما ذكرته الرواية، وهو في الحقيقة توصيف رحيم لشرح حالة الهاشمية السياسية العنصرية، والتي هي فكرة عنف قائمة على التعالي على المجتمع والبشر جميعا باعتبار حامليها نسل مختلف عن نسل آدم عليه السلام، وهم من نسل فاطمة بنت النبي وورثة النبوة ودينها ودنيا الناس ولهم الحكم، إما بالإمامة وهي منصوص عليها في البطنين (نسل حسن وحسين أبناء علي وفاطمة) وكما هو منصوص عليها في مذهب الهادوية، أو بالخلافة وهي أيضا حصرية على قريش بكل بطونها، كما تنص عليها بعض مذاهب السنة كالشافعية وغيرها - ولذا مصطلح الشيزوفرينيا هنا غير دقيق، لكنه يصف حال عائلة "نجلاء" وهي عائلة عاشت على الحرمان والخوف من الناس والخوف من الجوع خاصة بعد ثورة 26 سبتمبر التي أنهت الحكم الكهنوتي الذي كانت تعتاش منه هذه الأسرة وغيرها من الأسر المعتقدة بقداسة جيناتها.

بيئة "نجلاء" جعلتها تبحث عما يشبع جوعها وخوفها، وهي التي تدرك ادعاء والدها للقداسة وهو صاحب السلوك المشين والذي يعتقد أن نسبه يعفيه من السلوك الحسن ومن المعرفة والعمل الصالح، ولذا منحت نفسها إجازة مفتوحة وعاشت حياتها تشبع جوعها بشقيه جوع المعدة وجوع العاطفة والجسد.

وضعتنا الكاتبة أمام حالة خاصة وقامت بتشريحها نفسياً واجتماعياً ودينياً وأحسنت صناعتها كشخصية محورية في الرواية التي بحثت في عوالم هذه الشخصية وأسرتها وزبائنها الذين اعتادت أن تذهب إليهم "نجلاء" في بيوتهم.

تحليل شخصيات الرواية عمل جبار وأشهر من فعله مع شخوص رواياته هو دوستويفسكي والذي أتعب من بعده عالم النفس فرويد الذي كان يحلل شخصيات مرضاه ووجد أن الروائي العظيم دوستويفسكي قد سبقه في تحليل هذه الشخصيات عبر رواياته، هل تقمصت الروائية شخصية دوستويفسكي؟ لا أعتقد ذلك ولكنها خاضت في شخوص روايتها بدون تكلف.

ذهبت الكاتبة إلى ما هو أبعد من تحليل الشخصية في الرواية، قفزت نحو المستقبل لتشرحه بواقعية الحاضر من خلال "الشريفة فاطمة" عمة "نجلاء"، ومشهدهما على السرير في حالة "سحاق محارم"، لا أعرف ماهي العقوبة الشرعية في هذه الحالة، وهذه جرأة على قراءة المستقبل بتعبير اللحظة في بيئة تقدس جيناتها الطاهرة ولا تزوج بناتها للقبائل النجسين، لكنها قد تضطر لتزويج أبنائها من بنات القبائل لتطهريهن بالمني المقدس والمطعم بجينات السلالة الطاهرة، هذا المشهد ينقلنا إلى بعض روايات تاريخية تحدثت عن سحاق في نفس هذه البيئة منذ حوالي 800 سنة خلت، ونقلت معها همج السلالة من الكهوف إلى أزال، وهذه المرويات قد تكون لا قيمة لها تاريخيا لكنها وظفت في هذه الرواية لتشرح واقع اللحظة بالتاريخ البعيد، وتنتقل منه لتتنبأ بتكرار الحالة مع "المقذيات" مستقبلا بعد هذه الحرب الدائرة في اليمن بفعل انقلاب الهاشمية السياسية، "فالتاريخ يتكرر مع من لا يحسنون قراءته". وبعد هذه الحرب الدائرة ستتخلق نفس الحالة وسيجدن أنفسهن وحيدات بعد أن ذهب رجالهن إلى جهنم التي اختارتها لهم الجماعة.

حاولت الرواية تبرير التعالي المقدس للسلالة بوجود شبيه له عند بني إسرائيل فقالت على لسان "نجلاء" وهي تتحدث ليلتها مع عمتها فاطمة المحرومة من الزواج: "كُتب علينا الجوع تيهًا وضياعًا.. كالذي كُتب على بني إسرائيل ولم يعودوا منه.. لمَ لا؟ أوَ ليسوا سلالة الله المختارة قبل مجيئنا؟" تحريك المشهد هنا له ما يبرره دراما وفنتازيا، لكن تاريخيا أتى الجوع العاطفي للمقذيات بعدم تزويجهن بأبناء القبائل إلى مرحلة التواجد الفارسي في اليمن، فمن ضمن اشتراطات كسرى الفرس على سيف بن ذيزن وهو يمده بسجناء فارس والديلم لينتصر بهم على الأحباش أنصار الروم، أن الفارسي يحق له الزواج بيمنية ولا يحق لليمني الزواج بفارسية، وهذا ما توارثته السلالة عن الفرس، أما اليهودية في لا يوجد لدى طوائفها هذا النموذج من التمييز العرقي في الزواج، ففي اليهودية الأرثوذوكسية ترفض كل أشكال هذا الارتباط بغير اليهود، بينما اليهودية المحافظة لا تشجعه ولكن تجيزه على أمل أن يتهود الزوج أو الزوجة. فيما اليهودية الإصلاحية تبيحه إباحة كاملة. وتختم "نجلاء" ليلتها الماجنة مع عمتها فاطمة بقولها: "نحن نعاني من الحرمان والجوع، لا أحد يشعر بنا أو يهتم لمعاناتنا، بخت الشريفة أعمى يا عمة".


زوج "أمل" الكهل المترهل اللزج بحسب وصفه في الرواية مع أنه تاجر ولديه من الأموال ما يكفيه لإسعاد الكثير من الناس وإسعاد نفسه، إلا أنه كان تعيسا في حياته، وسادي في تصرفاته مع نسائه وعشيقاته، لا يشعر باللذة بدون تعذيب الضحايا، يستخدم يديه في تنفيذ العقوبات عبر لطم الوجوه والأجساد، لم تكن ساديته من فراغ فقد تعرض في صباه وفقره لحادثة غيرت حياته وجعلت منه شخصاً قادراً على تحمل الظروف إلى أن صار غنيا يشار إليه بالبنان، تم اغتصابه بعد منحه لقيمات "كدم وسلته" من شابين من ذوي النسب الرفيع واللذين قررا في لحظة نزق أن يحولاه إلى مسخ .. كأن القدر قد انتقم لـ"أمل" مقدما قبل أن تكون موجودة بين قيود النفوس في البلد.

في حين تزوجت "نجلاء" من أحد أبناء السلالة لتمنع الأقاويل التي انتشرت حولها وحول تجارتها في سوق البغاء كانت "أمل" قد أصرت على الذهاب للجامعة لإكمال تعليمها بعد إلحاح على زوجها الكهل، ومع ولوجها لبوابة الجامعة وضعت خطوتها الأولى في طريق حريتها، بينما نجلاء تكبلت حياتها بزوج يريد مقاسمتها مالها الذي تحصل عليه من "تجارتها" بجمالها كبائعة هوى.

في الجامعة تعرفت أمل على طلائع الثورة الشبابية في 2011، وأدركت أن المجتمع المكبل بالقيود خرج ولن يعود دون حرية. أحدثت الثورة عند "أمل" رغبة في التحلل من حياة التعاسة التي عاشتها منذ زواجها، استطاعت أن تخبر زوجها أنها استمعت لهتافات وخطب الشباب في ساحة التغيير، وتعرفت على مأساة جمعة الكرامة، انهال عليها بالضرب فهجرته إلى الأبد وأنهت قصة زواجها التعيس بالتحرر من صاحب النفوذ والمال الذي صرف على أسرتها واذلها، أحدثت الثورة عندها ثورة فأطاحت بالمستبد من حياتها دون مبالاة. فيما كانت "نجلاء" ترقب والدها الذي صار منزله وكراً لاجتماعات السلالة، وكيف لم تعجبهم هتافات شباب الثورة والتي لا ترقى لما يريدونه من ثورة تشبه ثورة الحسين! التي ستكون حصان طروادة فيما بعد.

تسارعت الأحداث وازدحمت مشاهد الرواية من انتكاسة الثورة بالمبادرة الخليجية وبيع الأحزاب لدماء وجهود الشباب، ورحيل الشباب عن الساحة وبقاء خيمة الصمود المريبة هناك، مروراً بتولي رئيس ضعيف للحكم وصولاً إلى سقوط دماج وانحسار الجمهورية وعودة الملكية بثياب الحوثية ووقوع عاصفة الحزم التي انهالت على صنعاء بقذائفها وحمم لهيبها، ذهبت أمل إلى التدريس لتعلم الجيل في المدرسة منهجية الثبات على الحق، وتقتحم عالم الإعلام الاجتماعي لتواصل ثورتها التي بدأتها في 2011 فلم يستطع الانقلاب إنهاء الثورة.

زرعت أمل "الأمل" في منشوراتها وتغريداتها باسمها الوهمي الذي حير مراهقي الهاشمية السياسية وهي تضع الحقائق أمام الجمهور بلا تردد. في الوقت الذي كانت نجلاء قد تطورت وانتقلت من سوق البغاء إلى سوق منادمة و مداعبة أمراء الحرب في صنعاء وبوصولها إلى اليد اليمني لزعيم الجماعة لترويه من حقدها على العبيد مقبلي ركب السادة على مر الزمان، لم تكترث نجلاء لكون أبو جبريل -كما اسمته الرواية- لا علاقة له بمعاشرة النساء، فقد عرفت سره وهي تمتطي ظهره وتدلكه وتزيل أوجاعه، وهي تردد ما يجول في ذهنه: "يد نجلاء ولا جربة على غيل".

شخصيتا "نجلاء" و"أمل" المتناقضتان هما الشخصيتان الرئيسيتان في الرواية، لم يكن تناقضهما من البداية إلا لحاجة في مخيلة الكاتبة صنعتها ببطء، وهما صورتان تعبيريتان الأولى نجلاء التي تمثل فكرة الهاشمية السياسية الشبقة للسلطة ومتعلقاتها، والثانية أمل وهي التي تمثل فكرة اليمن الكبير في ثورتها ومقاومتها وحبها للحياة، هذه القراءة قد تكون بعيدة عما قصدته صاحبة الرواية، لكن كاتب الأسطر يرى أن هذه الرواية رمزت للجانب السياسي فيها بالجانب الاجتماعي لتوصل بعد الفكرتين الرئيسيتين عن بعضهما وعدم إمكانية رضوخ اليمن لفكر دخيل مستورد مهما كان مدعوم عسكرياً ومشحون طائفياً مستغلاً الجهل والفقر وغياب مؤسسات الدولة لتنفيذ انقلابه على الشعب والدولة والسلطة مشكلاً طوفاناً من الكراهية والحقد على كل ما هو يمني.

كثيرة هي الروايات التي تحدثت عن فترة الثورة الشبابية والانقلاب وعن ثورة 26 سبتمبر، لكن هذه الرواية مزجت تاريخ الثورة اليمنية من بداية 1962 بتاريخ ثورة 11 فبراير 2011 كإتمام للثورة الأم، ولم تتجاهل الانقلاب على الثورتين في آن واحد انتقاماً وحقداً ممن يرون أن ثورة 26 سبتمبر كانت انقلاباً يمنياً على حقهم في الحكم المسمى بالحق الإلهي المخصوص لـ"سادة الجمعة" الذين هوت بهم رياح الطمع إلى اليمن التي قبلتهم ولم يستطيعوا أن يكونوا جزاءً منها وظلوا طوال تاريخهم كوجع ضرس يوشك أن يزول.

* المقال خاص بـ"المصدر أونلاين"


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك




صفحاتنا على الشبكات الاجتماعية


-->