تجفيف مصادر تمويل الحرب أولا

قوبلت العقوبات التي أقرها مجلس الأمن ضد قادة في تحالف 21 سبتمبر بالتهليل ظناً أنها ستنال من قوة هذا التحالف. 


لكن التأثير المفقود في منظومة العقوبات الأممية ضد الرئيس المعزول علي عبدالله صالح ونجله أحمد أو تلك الموقعة بحق زعيم جماعة الحوثيين عبدالملك بدر الدين وأخيه عبدالخالق والقائد العسكري في الجماعة أبوعلي الحاكم يكمن في أنها لم تتفحص جيداً طبيعة نفوذ هؤلاء و عوامل قوتهم, لذلك من المنطقي أنها لن تجدي في ضرب ذلك النفوذ.


ففي الوقت الذي تقضي العقوبات بتجميد أصول صالح ونجله إلى جانب منعهما من السفر, يملك الرئيس السابق أنصبة في عشرات الشركات, فضلاً عن عشرات المؤسسات التجارية ووكالات ومشاريع اقتصادية تجعله على رأس واحدة من كبريات إمبراطوريات المال الطفيلية في البلاد.


تدر هذه المنظومة الاقتصادية ثروة طائلة على صالح وأقاربه, تمكنهم من تمويل حروبهم بأريحية والاستمرار في شراء ولاءات الأفراد وإذكاء الاضطرابات الأمنية وإدارة شبكة معقدة لتنفيذ الاغتيالات والجريمة السياسية بمفهومها الشامل.


ومثلما تسقط فاعلية العقوبات المتخذة بحق صالح في ظل استمرار إمبراطوريته المالية في النشاط, كذلك تسقط فاعلية الجزاءات الموقعة بحق عبدالملك الحوثي ومساعديه الذين يقودون واحدة من الجماعات الغامضة، تشكل العزلة عن العالم الخارجي سياسة أثيرة من سياساتها.


تبعاً لذلك فمعاقبة عبدالملك الحوثي أو أبو علي الحاكم بمنعهما من السفر تتصاغر لدى إخضاعها لجدلية المستهدفين بالعقوبة ومكانة حق حرية التنقل في وعيهما من عقوبة جادة إلى تسلية مازحة, منزوعة عن الواقع الذي يستمدان منه نفوذهما.


انطلاقاً من هذه العلاقة المفقودة بين العقوبات الأممية و جدواها في ردع زعماء تحالف الحرب فإن الإجراء الناجع لا بد أن يبدأ من تجفيف منابع قوة هذا التحالف المالية والعسكرية بما يعني بالضرورة تعطيل المنظومة المالية التي تمول حروب صالح والحوثي.


الحوثي أيضاً اتجه إلى بناء شبكة مالية واسعة بعد السيطرة على السلطة؛ فعدا عن أن جماعته تضع يدها على الخزينة العامة وتتصرف فيها كما يحلو لها, فهي استحوذت على شركات تجارية يملكها بعض خصومها السياسيين المشتغلين بالتجارة بعدما سيطرت على العاصمة وحولت أرصدة إلى حسابات مصرفية يملكها أعضاء قياديون فيها, إضافة إلى جبايات تتحصلها من المواطنين في المحافظات الخاضعة لنفوذها, و تبرعات طوعية.


وعلاوة على ذلك, باتت الجماعة الحوثية تدس أنفها في تعاملات المؤسسات الحكومية الإيرادية وتقتطع ما تشاء من المبالغ لحساب أعضائها ومقاتليها تحت مبررات مختلفة, أبرزها دعم "المجهود الحربي".


ووفرت الحرب الراهنة وغارات المقاتلات السعودية التي انطلقت أواخر مارس الماضي ذريعة وافية للجماعة لتستمرىء الحشد المالي من أجل "المجهود الحربي" بطرق شتى.


بإطار أشمل, يفرض الحوثيون بوتيرة تدرجية شرعية اقتصاد الحرب, مستفيدين من حالة الحصار المضروبة على أجواء البلاد ومياهها وحدودها البرية.


وأمكن خلال الأسابيع الثلاثة الماضية ملاحظة توافر مواد أساسية في السوق بالأسعار التي تفرضها الجماعة العنيفة وفي مادة الغاز المنزلي مثال على ذلك, إذ بعد انقطاع شبه تام لها حين كان سعر الاسطوانة الواحدة يتراوح بين 1600 و2000 عادت هذه المادة إلى السوق لكن بأكثر من 3000 ريال وبنحو 5000 ريال في السوق السوداء.


وتكاد أسعار المواصلات العامة تستقر على ما قفزت إليه من زيادة بنسبة 100 في المائة متأثرة بندرة المحروقات التي تباع في السوق السوداء بزيادة أربعة أضعاف ثمنها الحقيقي.


بقدر ما تكاد ملامح اقتصاد الحرب تكتمل شاملة مناحي الحياة كافة, تزدهر تجارة السوق السوداء أيضاً وهي في ذروة نشاطها خصوصاً في تجارة المحروقات منذ انعدامها.


ولئن كان صالح قد سخر السلطة التي اعتلاها طيلة 33 عاماً لتضخيم أرصدته المالية وقسر رجال الأعمال على إشراكه في ثرواتهم و دعم حملاته الانتخابية أو اتخاذه لبعضهم واجهة لشركاته, فالجماعة الحوثية أخذت تنهج نهجاً مشابها, فوق أنها لا تكتفي بشطب الصوت السياسي المعارض لها بل تقتلع قنواته وإمكاناته المالية وتضمها إلى إمكاناتها كما فعلت بحق مؤسسات صحفية, حظرت نشاطها في البدء ثم سطت على مقراتها وسلبت تجهيزاتها.


ومادام المال يجري في أيدي صالح والحوثي بوفرة ويتجدد يومياً فمن غير المتوقع أن يؤتي نظام العقوبات الأممية ضدهما نتائج فعالة على المدى القريب, لأن تصميمه ملائم لردع الحكومات في الغالب وعلى مدى زمني طويل.


ثم إن العقوبات جرى إقرارها عام 2014 لتتناسب مع حجم التهمة التي أدان بها المجتمع الدولي صالحاً والحوثيين حينذاك وهي عرقلة العملية السياسية الانتقالية, أما الآن فقد أشعلا حرباً تحرق أصقاع البلاد وتقترف قواتهما جرائم حرب بحق المدنيين في عدن وتعز ومناطق أخرى. واستمرار تدفق المال على زعماء تحالف الحرب هذا وغض الطرف عن حرية حركتهم واتصالاتهم في الداخل يعطيهم ضوءاً أخضر لإراقة مزيد من الدماء.


وهدفت العقوبات حينذاك إلى لجم مؤامرة صالح والحوثي لتقويض العملية السياسية لكن مع إبقائهما في صلب العملية السياسية, أما استيعابهما في أي عملية سياسية مقبلة فضرب من الدوران في حلقة مفرغة والدوس على العدالة.


تفتح هذه النقطة الباب لإثارة تساؤل بشأن مستقبل صالح والحوثي الذي إذا انطوى على تمركزهما في واجهة الشأن العام فسيعني السماح لهما باصطحاب برميل البارود مجدداً إلى قلب العملية السياسية والتأسيس لدورات صراع جديدة.


القوى السياسية الكبيرة تجمع, تقريباً, على ضرورة طرد صالح والحوثي ومساعديهما المتورطين في إدارة الحرب الراهنة من العملية السياسية.


لكن ما ليس واضحاً حتى الآن هو التصور الأممي بشأن مستقبل الرجلين السياسي وموقعهما من السلطة ومجمل العملية السياسية.


وإذا كان الموقف الأممي في الوقت الحالي ينطلق من تقدير واقعي لموازين القوة بما يجعل من التعامل معهما راهناً منحى إجبارياً بحكم ما يحوزانه من قوة وسيطرتهما على مقاليد الحكم, غير أن هذا ينبغي ألا يسوغ إعادة إنتاجهما بل الالتفات إلى الأصوات المعتدلة في صفيهما والتعامل معها إذ كان لا مفر من تحقيق الشراكة الوطنية.


وللدول تجارب حافلة بهذا النوع من استقطاب الأصوات المعتدلة داخل الحركات المتطرفة أو الدموية ومساعدتها في أن تكتسب الثقة داخل جماعاتها وتحل محل القادة المتطرفين الذين يكون قد جرى عزلهم أو على الأقل إضعاف تأثيرهم إلى الحد الذي لا يستطيعون معه جر جماعاتهم إلى مهاوي رغباتهم الجانحة.


من صفحة الكاتب على فيسبوك
 


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


-->