الرئيس بين حسابات الحلفاء وضعفه

لم يعد ممكناً أن يتسمر الرئيس على أريكة وثيرة في الرياض إلى ما لا نهاية ثم يكون كل رد فعله مع استرداد محافظة تلو أخرى أن يتبسم بانتشاء الجذلان.


فلقد انقضت ستة أسابيع منذ أعلنت حكومة الرئيس عبدربه منصور هادي تحرير مدينة عدن من قوات علي صالح وعبدالملك الحوثي قبل أن تنضم إليها تباعاً محافظات لحج وأبين وشبوة.


لكن ضعف هادي وحكومته جعلا الأمر سيان بين تحرير عدن وخضوعها لسيطرة قوات صالح والحوثي.


وليت الرئيس يتجاسر ليفي بمتطلبات السلطة بقدر تشبثه بها, لكن المعضلة تبقى دوماً مع هادي في صعوبة إيقاظ ما هو خامل فيه بالفطرة من القدرات اللازمة للسلطة.


في الإمكان تفهم أن الدمار الذي ألحقته الحرب بعدن بلغ حداً جعلها غير مؤهلة للإقامة الرئاسية, لكن ستة أسابيع كافية لتأهيل مقر رئاسي لو أن فريق هادي كرس اهتمامه لهذه المسالة.


فمثل هادي, مكث أمير الكويت الراحل جابر الأحمد الصباح نصف عام في الرياض بعد احتلال قوات الرئيس العراقي الراحل صدام حسين لبلاده في 1990, لكنه عاد إلى الداخل في وقت كانت النيران ما تزال تشتعل في آبار النفط والكويت أرضاً يباباً بعدما دارت فيها واحدة من أشرس المعارك في القرن الماضي.


وغير بعيد في الزمان والمكان, أطل علي عبدالله صالح في صيف 2011 من الرياض بوجه محترق وصوت متحشرج ليغذي الأمل في نفوس أنصاره بأنه عائد للإمساك بسلطته.


لذلك فبقاء الرئيس والحكومة بعيدين في انتظار تحسن الوضع الأمني في العاصمة المؤقتة لن يعيد الأمن إليها لمجرد أنهما يأملان ذلك, بل عودتهما واقتحام المخاطر هما الكفيلان بإرساء وضع مختلف وتحفيز المؤسسات الحكومية على الانبعاث من هجعتها.


وكلما تأخر تثبيت سلطات الدولة وخدماتها في المدن المحررة فستسبقها الجماعات المسلحة لبسط نفوذها واستقطاب ولاءات المواطنين الذي سيجدون أنفسهم مضطرين إلى الاستجابة للخدمات التي تقدمها الجماعات.


ويكمن الخطر المحدق في ذلك أن تنظيم القاعدة يسبق بقية الجماعات في توطيد أقدامه على الأرض بعدما نقلته حرب صالح والحوثي إلى طور جديد لم يكن يحلم به.


فالتنظيم المدرج في صدارة المنظمات الإرهابية في العالم أضحى يفكر بعد معارك عدن وأبين ولحج بعقلية استحقاقية وبثقة من حررته الحرب من حظر شعبي وقانوني كان مفروضاً عليه.


وإذا كان هادي من نوعية القادة الذين يستغلون المناسبات الوطنية لإعلان قرارات كبيرة فسيكون سبتمبر الجاري ملائماً لعودته.


ففي 21 فبراير الماضي أذيع خبر فراره من مقر إقامته الجبرية التي فرضها عليه تحالف صنعاء بعد الإطاحة بحكمه قبل شهر من تاريخ فراره. ولم يكن ذلك الاختيار على الأرجح إلا ليوافق اليوم الذي اختير فيه هادي رئيساً توافقياً للبلاد في 2012.


وفي سبتمبر مناسبتان كلتاهما تاريخيتان إذا ما قرن الرجل عودته بإحديهما: الأولى 21 سبتمبر, يوم سيطر مقاتلو الحركة الحوثية بالتحالف مع قوات الرئيس المعزول صالح على العاصمة صنعاء في 2014. وما من طريقة فعالة كعودته إذا أراد أن يفسد نكهة هذا اليوم على من أطاحوه من السلطة.


والثانية, ذكرى ثورة السادس والعشرين من سبتمبر على نظام الإمامة في شمال البلاد. ولحسن حظ هادي أن هذه المناسبة تغيظ الحكام الحاليين بطريقة أو بأخرى.


لكن لا ينبغي التوهم أن مجرد حلول هاتين المناسبتين هو الدافع الذي يجب أن يعيد هادي وحكومته إلى البلاد, لأن اعتقاد ذلك فيه قدر كبير من الاعتباط والبلاهة. 


فعودة مؤسسات الحكم وفي مقدمتها الرئاسة إلى المحافظات المحررة غدت ضرورة لإدارة شؤونها المنفلتة. وكلما تأخرت عودة هادي وحكومته فلن يكون له من الحظ إلا حظ من يصل متأخراً ليزاحم الجماعات المختلفة في نصيبه من الحكم وحيزه من الأرض.


ثم إن تأخر عودة الرئيس يفتت شرعيته التوافقية شيئاً فشيئاً في الذاكرة الشعبية ويضعف موقفه في المفاوضات السياسية, فضلاً عن أنه يحرمه من شرعية الأمر الواقع التي بعودته يفرضها على معظم الجغرافيا الوطنية.


فهل عودة الرئيس مرهونة بقرار سياسي أو بتحديات أمنية محضة؟
للجواب على هذا السؤال, لا بد من إلقاء ضوء على أهداف الدول الأساسية في شن الحملة العسكرية داخل اليمن ومخاوفها في آن.


لا تحصر المملكة السعودية التي تتزعم التحالف هدفها من الحرب في إلحاق هزيمة عسكرية مجردة بالحركة الحوثية وقوات صالح بل تدمير الفكرة الحوثية بوصفها, كما تنعكس لدى النظام السعودي, تهديداً أيديولوجياً وأمنياً للمملكة وتدميرها يقتضي استنزافها إلى آخر عضو مقاتل فيها.


بتعبير آخر تريد المملكة توجيه ردع تاريخي للحركة الحوثية, يمنعها من تهديد أيديولوجية النظام السعودي وأمنه على السواء.


وتختلف غايات الحلفاء المشتركين في الحرب على صالح والحوثي على نحو تدرجي إلى حد الافتراق وصولاً إلى التناقض الفعلي.
فالسعودية بموقعها المجاور لبيئة التهديد الوجودي المفترض تطمح إلى محو ذلك التهديد بفكرته وأدواته ثم إعادة الاستقرار إلى الجار الفقير حتى لا تمتد اضطراباته إلى المملكة, إضافة إلى صون قطبيتها الإقليمية ومركزها القيادي في المنطقة.


وهذه الغاية أكثر كلفة واختلافاً من غاية الإمارات العربية المتحدة التي تعمل متحررة من الضغط الواقع على السعودية نتيجة بعدها الجغرافي عن اليمن وعدم قطبيتها الإقليمية التي تشكل حمولة تثقل كاهل الأولى وتريد حمايتها من الأفول في حال أخفقت الحرب في تحقيق أهدافها.


وقدمت الحرب لمصر فرصة معنوية وعملية لتأكيد أن القرارات الحاسمة في المنطقة لا تكتمل بدونها حتى مع غروب دورها القيادي منذ مدة طويلة. كذلك, يشكل احتشاد قوات الحلفاء العرب في مياه البحر الأحمر وإيكال قيادتها لمصر فرصة كبيرة للأخيرة لتختبر قدرة جيشها على الإسهام المباشر في تأمين مياه الدول العربية المطلة على البحر الأحمر. 


حتى إذا لم يكن لنظام السيسي أي أهداف من مشاركة السعوديين في حربهم داخل اليمن فهو لا يستطيع بأي حال تجاهل طلب النظام السعودي باشتراكه, إذ هو مدين للأخير بما لا يمكن معه قول لا على الإطلاق.


ويمكن الذهاب إلى أن النظام الأميري في الكويت يريد الثأر من منظومة الرئيس المعزول علي صالح الذي يعتقد الكويتيون أنه أحد القادة المتآمرين في قضية احتلال قوات النظام العراقي السابق لبلادهم.


كذلك عثرت قطر في التدخل العسكري على فرصتها التي فاتتها في 2011 للقضاء على نظام صالح وإخراجه من المشهد السياسي في إطار دعمها لانتفاضات الربيع العربي حينذاك من أجل بناء أنظمة سياسية حليفة لها ضمن محاولاتها للتحول إلى قوة إقليمية.


ومع ما يُفترض أن استراتيجية حرب الحلفاء في اليمن قد وُضعت بما يكفل تحقيق أهدافهم, لكن تفاوت تلك الأهداف وبروز مخاوف خاصة بكل عضو على حدة يقودان إلى الافتراق حول وسائل تنفيذ الاستراتيجية وأدواتها على الأقل.


فالسعودية الواقعة تحت الضغط أكثر من أي عضو آخر في التحالف قد تدفعها مخاوفها وتأخر الحسم العسكري إلى توظيف عوامل وأدوات للاشتراك في الصراع, يرى أعضاء آخرون أن تبقى في خانة الأعداء مهما كانت الحاجة إلى خدماتها.


فمخاوف مصر والإمارات –مثلاً- في منح الإخوان المسلمين دوراً سياسياً قيادياً في المستقبل أعلى من مخاوف السعودية التي لها تجربة في احتواء إخوان اليمن حتى في حال صعدوا إلى الحكم, وذلك استناداً إلى علاقاتها التاريخية مع زعمائهم وقناعة الإخوان أنفسهم بعدم تجاوز المملكة.


كذلك, تتناقض المخاوف المصرية والسعودية حيال استغلال الإرهاب المتجسد في تنظيم القاعدة, على الأقل, للعملية العسكرية من أجل تحقيق مكاسب ميدانية وتنظيمية في اليمن.


ويمتد ذلك التناقض في المخاوف المصرية والسعودية إلى مسألة توظيف العامل الطائفي في الصراع الدائر.


وما دامت هذه الحسابات والمخاوف واضحة على هذا النحو لدى أمراء قطر فمن غير المتوقع أن يعملوا بحماس على إنجاز العمل العسكري الذي يجمعهم ببقية الحلفاء سوى ما يكفي منه لتدمير قوة صالح والحوثي.


فغير ممكن إغفال أن قطر ما تزال حليفة لكثير من التنظيمات الإخوانية فيما تراعي العملية العسكرية المشتركة محاذير منها عدم تمكين تلك التنظيمات من تحقيق مكاسب سياسية لافتة, فضلاً عن أن أهم مكاسب هذه العملية يصب في مصلحة أنظمة بعضها خصم لقطر كنظام السيسي وبعضها الآخر ما من صداقته بد لقطر التي كان جيرانها طبقوا بحقها عقاباً خانقاً اضطرها لمهادنة البيت الخليجي.


وفوق ذلك, هناك في الساحة اليمنية مصالح الدول الكبرى ومخاوفها المستقلة عن مخاوف الحلفاء الإقليميين, ومن ثم لا يستطيع الأخيرون المضي في سياسات من شأنها المس بمصالح الكبار أو إثارة مخاوفهم.


على هذا النحو, يبدو المجال اليمني مزدحماً بمصالح ومخاوف متضاربة في أكثر من مستوى وأكثر من اتجاه.


ومع أن تلك التناقضات لا تهدد استمرار العملية العسكرية إلا أنها تؤثر في تكاملها وتبالغ في طغيان العامل السياسي على الميداني إلى حد القسر.


فمهما قيل إن العمليات الحربية يديرها العسكريون, لكن حقيقة أن الحرب امتداد للسياسة تبقى ثابتة.


ومن المنظور السياسي, فقط, يمكن تفسير الانعطاف الحاد من منتصف الجبهة الجنوبية للاتجاه شرقاً إلى مارب, أو غض الطرف عن محافظة بأهمية حضرموت حيث يبسط تنظيم القاعدة سلطته بأريحية.


والسياسة وحدها هي القادرة على تقديم إجابات عن كل ما يبدو غريباً وغير مفهوم في الميدان. 


بجملة واحدة: حسابات الحلفاء وضعف الرئيس ينالان من موقفهما على الأرض.
 


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


-->