الثورة من أجل الجمهورية

الخروج الشعبي الكبير المتجاوز لحدود الجغرافيا وللقوى السياسية الفاعلة في المشهد العام يفرض علينا إعادة تأمّله وقراراته بطريقة تكشف عن نقاط القوة التي يستند لها والتي تغذِّي استمراره لاسيما بعد هذا الصمود الطويل وبنفس القدر من الحيوية والزخم.

 

الخروج للسلطة من أعالي الجبال في وعي عموم الشعب هو أول استنتاجات هذا الأداء الوطني المتماسك، فانخراط عموم اليمن في العملية الثورية والحركة الشعبية العريضة وعلى المستوى الوطني يكشف التغيير الذي طرأ في وعي اليمنيين بالسلطة التي لم تعد حكراً على المنطقة التي لطالما ادعت أن فيها المتفوقين عرقياً وعسكرياً، المختارين من الله حكاماً وجنداً، بل صارت شأناً عاماً لكل أبناء الوطن، هذا ما تفصح عنه الحركة الشعبية العريضة.

 

ثم إن الإصرار الكبير على انتزاع السلطة من يد محتكريه ابتداءً بالحملات الانتخابية قبل الثورة ثم بالخروج الكبير في ثورة اتسعت لتشمل كل اليمن يكشف عن إدراك الفارق الذي تحقق بالإنجاز الجمهوري الذي أعلن اسقاط الاحتكار السياسي للسلطة وأقرّ حق الشعب اليمني في حكم نفسه وأعاد تعريف دور الحاكم كمنفذ لإرادة الشعب لا منشئ لها، وهو إدراك يستوعب جيداً كيف أن ذلك الحدث قد صار في مصاف المرجعيات العليا ووثيقة تاريخية تمنح الشعب حق إسقاط أي حاكم يحاول الالتفاف على هذه الوضعية الجديدة والعودة بالوضع إلى ما قبل هذا التاريخ، كما ويشرع لعملية نضالية مستمرة من أجل بناء دولة الشعب بعد أن صارت حقاً شرعياً معترفاً به.

 

الجمهورية كوثيقة أثبتت للشعب سلطته على الحُكام هي من كانت قد منحته ومازالت شرعية إحداث التغيرات السياسية وصولاً إلى الثورة الشاملة للوصول إلى الواقع المتطابق مع ما ورد في الوثيقة التي اعترفت باليمني كمواطن وحرّمت تنازله عنها أو العودة إلى الوضع الذي كانت خدمة السيد هي من تعرف مكانة الفرد أكثر من خدمة الفكرة، والخضوع للأمير وليس للقانون هو من يحدد دوره. كانت الجمهورية ميلاداً سياسياً للشعب أو إعلاناً عنه وبدونه يستحيل أن يجد الشعب شرعية للمطالبة بإخضاع أولي القوة وإجبارهم على الاستسلام لسيادته، وأقصى دور متاح لأبناء اليمن بدونها أن يكونوا جنداً في معركة يموتون فيها، وتنتهي بتنصيب حاكماً آخر هو مصدر كل شيء، فيما ينتظرون هم معركة أخرى يموتون فيها.

 

شرعية النضال المنبثقة من الإنجاز الجمهوري هي التي بررت الرفض المستمر للبقاء عند النقطة التي غادر فيها الثوار وحفزت القوى السياسية على مدى عقود خمسة للنضال من أجل دولة وطنية على مقاس الوطن الكبير، وهو حلم يستحيل التفكير به قبل ذاك الميلاد السياسي، ومع وجود سلطات تنتمي لمرجعتيها المذهبية أو الجغرافية على أن ثورة 11 فبراير 2011 التي ما كانت لتظهر لولا الجمهورية - باعتبارها الوثيقة التي أثبتت لصاحب الحق مكانته ودوره وهو الشعب - قد اختطت طريقاً سلمياً في النضال تجنباً للمآسي التي خلفتها دورات عنف بين قوى تنتسب لذلك الحق إلى حد صار النضال في تعريف الثورة الجديدة هو ذاك العمل المقترن بالسلمية كأحد شروط وضع الجمهورية موضع التنفيذ. فتجربتنا الماضية أثبتت أن العنف يقود إلى تعطيل الجمهورية وإن تم تحت عناوين النضال من أجلها، فكيف إذا كان النضال عنيفاً وفي الوقت نفسه لا يعترف بالجمهورية كمرجعية عُليا؟

 

الجمهورية هي التي منحتنا حق الثورة، ومن أجل إقامة الدولة التي تتطابق مع تعاليمها، باعتبارها الوثيقة التي تحوي شريعة السياسة.

 


شارك الخبر


طباعة إرسال




شارك برأيك


-->